إن الشعب العربي قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد كان يعيش على الغزو ويألف الحرب ،

خاص- الحياه ايكونوميست
إن الشعب العربي قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد كان يعيش على الغزو ويألف الحرب ، وقد وجد عنده جراء ذلك ما يسمى بالطبيعة العسكرية وما يسمى بالمسؤولية عن الغير فهو وان كان لا يرى الحلم والاناةَ والتدبير ، وعرفت هذه الفترة بالجاهلية واشتقاقها آتٍ من الجهل الذي هو ضد الحلم لا من الجهل ضد العلم .
فالجاهلية هي مجموعة وجهات نظر آمن أصحابها بها بل ودافعوا عنها دفاع المستميت فالعزة والأنفةُ والفخر بالاحساب وحماية الجار كلها وجهات نظر دافعوا عنها بحياتهم ، فقد سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عائشة رضي الله عنها ( هل تدرين لِمَ كان قومك رفعوا باب الكعبة..؟؟ قالت لا قال تعززاً أن لا يدخلها إلا من أرادوا ) .
ثم جاءهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاهداً ومبشراً ونذيرا فلامس هذا الإيمان شغاف قلوبهم فآمنوا وحملوا هذا الإيمان للعالم يهدون به الخلق ، فامتزجت طبيعتهم العسكرية وحب المسؤولية عن الغير مع الطريقة العملية لنشر هذا المبدأ الذي آمنوا به فكان هذا التمازج كأنه تفاعل انتج رجالاً لو أرادوا خلع الجبال لخلعوها لعلو همتهم ويقينهم بصحة ما يحملون .
يقول عنهم الفيلد مارشال منتغمري في كتابه الحرب عبر التاريخ ص188 ( ومهما يكن من أمر فإننا نجد أن أهم ميزات الجيوش الإسلامية لم يكن في المعدات أو التسليح أو التنظيم ، بل كانت الروح المعنوية العالية النابعة من قوةِ إيمانهم بالدعوةِ الإسلامية ، وفي خفة الحركة التي ترجع إلى مهارتهم في سُرعة التحرك بالجمال والخيل ، وأيضاً في قوة احتمالهم وجَلَدهم نتيجةً لحياتهم الصعبة في الصحراء التي تعودوا عليها . وعلى كل فهنالك عوامل أخرى شاركت في نجاح زحفهم غير العادي الذي كان عبارة عن نجاح تِلو نجاح ، فكان العرب – يقصد المسلمين – يندفعونَ نحو القتال يحركهم أقوى دوافع الحرب ألا وهو الإيمان والعقيدة …… فالكثير منهم خاصةً في المراحل الأولى للفتوحات الإسلامية كانوا يؤمنون إيماناً راسخاً بالدعوةِ الإسلامية متحمسين لها غيورين عليها ، وقد أدى هذا إلى اعتناقهم مبدءاً صلباً هو الجهاد في سبيل الله ) .
هذا هو وصف قائد عسكري – خاضَ الحرب العلمية الثانية – لجيش المسلمين وقادته ولا نريد التعليق عليها ولكننا نقول هل ينطبق هذا الوصف إلا على أصحاب الهمم العالية …؟؟
لا يغترنَّ أحد فيقول إن الدولة الإسلامية تولد ولادةَ الطفل ثم تكبر تدريجياً لتصل إلى مرحلة الشباب فالكهولة ، كلا بل إن الدولة الإسلامية تولد دولة عظيمة وعَظَمتها مستمدة من المبدأ الذي تحمله ، ولا تستمد عظمتها من عدد سكانها أو ثروتها أو مساحتها الجغرافية ، فدين الله هو القوة وهو الظاهر على كل دين حين يحمله الرجال الرجال بغض النظر عن عددهم .
إن وصول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة هو بداية إقامة حكم الله في الأرض وإزالة حكم أهواء البشر وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد ورده إلى الله عز وجل وحده وإلغاء حكم البشر ، وكل ذلك لايتم بمجرد التبليغ والبيان إذ أن المتسلطين على رقاب العباد لا يسلمونَ سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان ، وإلا فما ايسر عمل الرسل في إقرار دين الله على الأرض .
إن هذا الإعلان لتحرير الإنسان في الأرض من كل سلطاتٍ غير سلطان الله لم يكن إعلاناً فلسفياً نظريا ، وإنما كان إعلاناً فعلياً لتحقيق صورةِ النظام الإلهي المطلوب وفق أمره ونهيه .
لقد واجه هذا الإعلان ما واجه في مكة فصبر الرسول ومن معه ثم أذن لهم الله فهاجروا إلى المدينة …….. وكان إعلانها وصوله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان هذا الإعلان هو النواة لبناء دولة الإسلام ، ولم يكن إعلانها لتحرير الإنسان العربي وليس رسالة خاصة للعرب …… بل هي دعوة تستغرق الإنسان بوصفه انساناً ومجالها الكرة الأرضية ، فالله سبحانه وتعالى ليس رباً للعرب وحدهم بل هو رب العالمين وله الحمد .
إن الصورة التي نريد توضيحها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ وصوله للمدينة قد كان دائم الحركة ، يعمل ويحرك أصحابه تارة لوحدهم وتارة وهو معهم في غزواته ، حتى تكون الرسالة واضحة من أن هذه الدعوة ليست للتقوقع أو للانغلاق على النفس بل هي دعوة تُحمل ، وحركة دؤوب . وفي صحيح مسلم عن بريدة قال ( غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع عشرةَ غزوةً قاتل في ثمانٍ منهن )
وقد ذكر ابن عبد البر في كتابه الدرر في المغازي والسير : أول غزاةٍ غزاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غزوة (ودّان ) غزاها في صفر وذلك انه وصل المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ، أقام بها بقية ربيع الأول وباقي العام كله إلى صفر من سنة اثنتين للهجرة ثم خرج في صفر المذكور واستعمل على المدينة سعد بن عباده حتى بلغ ودان فوادع بني ضمرةَ ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حرباً وهي المسماة ( غزوة الإيواء ) ثم أقام بالمدينةِ إلى شهر ربيع الآخرةً من السنةِ المذكورةِ ثم خرج فيها واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون حتى بلغ ( بواط ) من ناحية ( رضوى ) وهي بالقرب من ( ينبع ) اليوم ، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حرباً ثم أقام إلى بقية ربيع الآخرة وبعض من جمادى الأولى ثم خرج غازياً واستخلف على المدينةِ أبا سلمة بن عبد الأسد وأخذ عن طريق ( مِلْك ) إلى العُسيرة وهو وادٍ في مكة .
وذكر ابن اسحق عن عمار بن ياسر قال ( كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن يتبع فأقام بها شهرا وصالح بني مدلج وحلفاؤهم من بني ضمره ، ثم كانت غزوة بدرٍ الأولى بأيام قليلة ويقال عنها ذات العسير بالسين والشين ثم غزوة بدر الكبرى وهي اعظم المشاهد .
وذكر محمد بن سعد في طبقاته : إن غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع وعشرون غزوة وسراياه ست وخمسون وفي رواية سبع وأربعون والتي قاتل فيها الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدر وأحد والمريسع والخندق وخيبر وقريظة والفتح ( مكة ) وحنين والطائف .
لقد فهم المسلمون جميعا قادتهم وعامتهم أن الفكرة الإسلامية – العقيدة – وما هو متعلق بها من حيث اعتناقها وحمل دعوتها وحمايتها وقيامها في سلطان وحماية السلطان وبقاؤه قائماً عليها وعلى تنفيذها ومحاسبته لها إن ما جاء في الشرع الإسلامي بشأنها كله قتال ونضال وهو دليل قاطع على أن الفكرة الإسلامية لا تنفصل عن النضال ، وأن العقيدة الإسلامية يجب أن تحمل إلى العالم بالقتال والحرب وأن القتال وحده هو الطريقة لحملها ، وأن الأمر جاء بالقتال من اجل اعتناق الناس لها في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( أمرت أن اقتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ) فكان حمل لا إله إلا الله للناس لا ينفصل عن القتال ، أي حمل الدعوةِ الإسلامية لا ينفصل عن الجهاد وان الجهاد وحده طريقة حمل الدعوةِ إلى العالم .
إن لغة الخطاب التي استعملها قادة المسلمين لغة تدل على قوة وتنمُّ عن ثقةٍ واقتدار وعلو همة ، وليست لغة المستجدي ولا الخائف نعم حتى وان كان هرقل فقد كانت الرسالة إليه ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل قيصر الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد اسلم تسلم ، يؤتك الله أجرك مرتين ، وان تتولى فإن أثم الاكاريين ( الاريسيين ) عليك ، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوّ فاشهدوا بأنا مسلمون ) وان تكن دولة الروم هي الدولة الأولى في العالم وهرقل هو الحامي للنصرانية فلا بد من خطابها بناءً على مفاهيمنا نحن كمسلمين وليس بناءً على قوتها ونفوذها ولا ننظر إليها عبر قوتها أو عدد سكانها ….. مطلقاً .
وكذلك كسرى فالرسالة إليه كغيره ( من محمد بن عبد الله إلى كسرى عظيم فارس ، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله ، وأدعوك بدعاية الله عز وجل فإني رسول الله إلى الناس كافةً لانذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين وأسلم تسلم فإن توليت فإن إثم المجوس عليك ) ولا يهمُّ إن غضب كسرى ، فهمٌّنا ليس غضب كسرى أو رضاه ، بل كل همنا هو العمل لنيل رضوان الله عز وجل .