قالت إن مصر بعد مبارك أكثر يأسا وفقرا مما كانت عليه تحت حكمه
كتب – أمير عبدالكريم
أصدر مركز "سيكور مموكاد" الإسرائيلي تقريره الربع سنوى ، وشمل هذا الإصدار تقرير عن الوضع فى مصر تحت عنوان "عهد جديد فى مصر" ، أعده الباحثان "ألون لافين" و"يوفيل بوستان" . وأوضح التقرير أن فوز "محمد مرسي" فى الإنتخابات المصرية ، بالإضافة إلى نجاح الإخوان المسلمين فى السيطرة على البرلمان يجعل مصر تقترب من الصراع الداخلي بين الجمهور المتدين والنخبة العسكرية العلمانية ، وتدهور الأوضاع الإقتصادية فى مصر يعمق من هذا الصراع ، ويضع مصر أمام حاجة ماسة لوجود حل درامي لهذا الواقع الذى تعيشه . مضيفا أن فوز "مرسي" بالرئاسة يعد خطوة إضافية فى مسيرة سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على السلطة فى أرض الفراعنة .
وأوضح أنه من منظور موسع ، فإن ما حدث فى مصر هو نقل للسلطة من يد الجيش الذي حكم البلاد منذ الستينات إلى المعارضة الإسلاميية ، وإلى الحركة الوحيدة الجاهزة والتى ظهرت كبديل خلال الفترة الماضية وهى جماعة "الإخوان المسلمين". مشيرا أن الشعب المصري أصبح غاضبا من إستمرار حكم العسكر والذي يعتبروه إمتدادا لحكم مبارك ، وأن ما عناه "أحمد شفيق" خلال الإنتخابات كان بسبب إبتعاد العلمانيين عن صناديق الإنتخابات فى الوقت الذي تدافع فيه الإسلاميين للتصويت . وأن من حاول خلق مساواة فى مصر بين الجمهور المتدين وبين الجمهور العلمانى إندهش من أن الإسلاميين فى مصر كانوا أكثر تركيزا ، وأكثر تماسكا .
وبالرغم من الأجواء الإحتفالية فى مصر بعد إنتخاب مرسي إلا أن المجلس العسكري مازال يمسك بالسلطة ولم ينقل الصلاحيات كاملة لمرسي بعد ، وليس واضحا متى سينتقلها للرئيس الجديد . ويتضح من هذا قلق الجيش على وضعه فى الدستور الجديد .
وخلاصة الأمر ،كما رأه الباحثان، أن مصر عام 2012 باتت بلا شك دولة ذات أغلبية تريد الحكم الإسلامي ، لكن فعليا تبقي ديكتاتورية تحت القيادة العسكرية . وخلاصة العام والنصف الماضيين التى أعقبت سقوط "مبارك" فإن هناك عدة نقاط : مصر أصبحت أكثر فقرا مما كانت عليه قبل الثورة ، الإسلام تحول لقوة بارزة على الساحة السياسية ، حلت حالة من اليأس والشك المتزايد بين المصريين . الآثار المترتبة على تلك التطورات فى مصر درامية ، فقد إرتفع معدل العنف فى الشارع وعلى الحدود أيضا .
فقبيل سقوط مبارك ، كانت مصر تجد صعوبة فى توفير الغذاء لمعظم الشعب . ومظاهرات الخبر التى خرجت خلال السنوات الماضية ، ووصلت لذروتها فيما بعد سقوط مبارك .
فعلى مدار العام والنصف الماضيان فقدت مصر جزء كبير من مصادر دخلها القومى الهامة ، وهى السياحة ، التى كانت مصدر إدخال العملات الأجنبية للبلاد ، والتى إختفت نهائيا فى أعقاب الثورة . كذلك الإستثمارت الأجنبية هرب لخارج البلاد ، وأوقفت مصر بيع الغاز الطبيعي لإسرائيل فى إشارة للضغط على إسرائيل لتعديل أسعاره . وفعليا هناك أسباب سياسية وفقدان السيطرة الأمنية فى سيناء هم الذين منعوا تصدير الغاز المصري لإسرائيل . وقد تضرر الإقتصاد الإسرائيلي بين عامي 2011 : 2012 ولكن يبدو أن عام 2013 ستتمتع إسرائيل بالغاز مرة أخرى ولكن هذه المرة من حقولها المحلية .
وبقى لمصر مصدرين فقط للدخل ، هما : المساعدات الأمريكية ودخل قناة السويس . ولكن التدهور الأمني فى المنطقة يهدد على إستمرار هذان المصدران وقد يبطلها ، لذلك فإم مصر التى تواجه الإفلاس تتنفس صناعيا عن طريق المساعدات التى تأتى من دول الخليج الغنية ، وفى حالة فقدها تلك المصادر فإن الإقتصاد المصرى قد تتحطم تماما .
ويتسبب عمق الأزمة الإقتصادية فى زيادة حالة اليأس التى تمتلك الشارع المصري . أما بالنسبة للمجلس العسكري فإن ما يحدث على الساحة السياسية مريح له ، فالإخوان المسلمين وممثلهم رئيس البلاد الجديد يقفون الآن على المحك بين الجمهور الغاضب وبين المجلس العسكري . ويستطيع المجلس العسكري أن يسترد لنفسه صورته الإيجابية التى كان يتمتع بها فى الماضي عندما يتركون المسئولية كاملة ليتحملها الإخوان . وساعتها فيجب على القيادة المصرية البحث عن إحدي الطرق للهرب من الوضع الصعب الذي تمر به البلاد .
فخلال سنوات السبعينات عندما حدث أزمة إقتصادية فى مصر ، أدرك الرئيس السادات ان التقارب مع الولايات المتحدة ووقف القتال مع إسرائيل سيجعل مصر تنجو ، لذلك فقد منحت إتفاقية السلام للسادات مساعدات أمريكية كبيرة سنويا ، وأعادت لمصر حقول البترول والغاز الطبيعي فى سيناء ، ساعدت فى خفض العبء الأمني والإقتصادي ووفرت فرص إقتصادية كبيرة وأدرات أعمالا مع إسرائيل .
إجراءات السادات أكسب مصر على مدار ثلاثون عاما هدؤا إقتصاديا ، لكن الحقيقة الأساسية التى ظلت باقية ،هى إرتفاع معدل النمو السكانى ف مصر بشكل أسرع من معدلات التنمية الإقتصادية ، وزدات الفجوات المعيشية فى المجتمع ، لكن حاليا يبقي فى يد القيادة المصرية القليل لتقوم بالمحاولة لتغيير هذه الحقائق .
ويري الباحثان أن الإقتصاد المصري يحتاج إلى تغييرات جذرية ، تشمل محاربة واسعة للفساد والإستثمار فى مجال التعليم والعلوم وفتح التنافس الإقتصادي . لكن إحتمال حدوث هذه التغييرات هو ضعيف للغاية ، والأفضل دراسة تلك التطورات الممكنهة خلال الإفتراض بأن مصر تقترب من منتصف الخط الأحمر الإقتصادي لها ، وهو ما يعنى أن الحكومة المصري ستنجر نحو مسيرات درامية .
أما من ناحية إسرائيل ، فقد أشارا إلى أن إسرائيل تراقب عن كثب كل ما يحدث على الأرض المصرية . وأن إسرائيل بين شقي رحى ، جانبها الأول رغبتها فى الحفاظ على إتفاقية السلام وتوفير ثمنها الأمنى والإقتصادي الباهظ على دولتها ، والشق الثاني تأثير فقدانها جزء كبير من السياسة الإسرائيلية – فيما يتعلق بالرد على الهجماتالتى تستهدفاه – هو ما يدفع ويحث حكومة تل أبيب على الرد العسكري على الإنتهاكات الخطيرة والمتكررة عليها . فإطلاق الصواريخ من سيناء تجاه مدن الجنوب الإسرائيلي وإختراق العناصر الإرهابية وتهريب الأسلحة لغزة ، كل هذا يحد دون رد إسرائيلي . كذلك هروب طاقم السفارة الإسرائيلية من القاهرة فى أعقاب إقتحامها والتى تمت دون أي محاولة منع من جانب قوات الأمن المصرية – بحسب زعم الدراسة – كان إنتهاكا واضحا لمفهوم السلام بين البلدين ، لكن القيادة السياسية فى تل أبيب فضلت عدم كسر القواعد أو الخروج عليها والحفاظ على الهدوء مع جارتها مصر .
وبحسب الدراسة ، فإن مواصلة تمركز الإسلام فى الساحة السياسية المصرية يجد أن إسرائيل عاجزة تقريبا عن الرد على تلك التطورات ، والشعور بأن إسرائيل ينبغي أن تتخذ خطوات فعليه لأول مرة – منذ سنوات السبعينات – ولكنها أيضا تدرس الصورة بكل جوانبها .
وأضاف أن الأمر عكس سوريا ، فالجيش المصري هو جيش كبير وقوى وحديث ، وهو ما يعني أن مصر ربما يكون لديها خيار عسكري ضد إسرائيل – فى حالة إختيار القيادة المصرية لهذا الخيار . ولكن مصر ليس لديها خيار إقتصادي للخروج فى حرب مع إسرائيل ، وهى الحرب التى ستمنع المساعدات الأمريكية وتفقدها الدخل من قناة السويس وتلحق ضرر أشد قسوة بقطاع السياحة . وهو ما يعني أن إعلان حرب مصرية فى حالة عدم وجود بدائل إقتصادية سيكون بمثابة إنتحار للإقتصاد المصري . وأن القيادة المصرية تخشي فقدان المساعدات الإقتصادية الأمريكية لها ، لذلك فإنها ستحافظ على نغمة خطاب هادئة . وهو ما نراه عندما تتعالى الأصوات ضد إسرائيل ، والتى تصاحبها دائما رسائل تهدئة من القاهرة .


