في «تقدير الموقف» بشأن صراع مصر المتأجج الآن، واللاهث نحو يوم 30 يونيو، الموعد المقرر لحشد جماهيري متوقع، تثور التساؤلات

في «تقدير الموقف» بشأن صراع مصر المتأجج الآن، واللاهث نحو يوم 30 يونيو، الموعد المقرر لحشد جماهيري متوقع، تثور التساؤلات حول انحيازات مؤسسات الدولة المشتبكة في الصراع، والمطلوب منها أن تتخذ تصرفات محددة في مثل هذه الأزمات.
وتتوزع المؤسسات الرسمية على ثلاثة أنماط. نمط منها يضم اثنين يُفترض أنهما في قبضة الحكم: أدوات القوة التي يستخدمها في فرض الإجراءات التنظيمية بـ «الكراهة الشرعية». فلكل نظام الحق في استخدام القوة شرعيا،وهما الجيش والشرطة، ثم الأداة التنفيذية التي يتبعها الجهاز البيروقراطي والأداة الإعلامية، واثنان منهما يمثلان المؤسسة التشريعية والقضائية.
لكل من تلك المؤسسات دور مخطط مسبقا في الأزمات، يعرف الرئيس متى وكيف وأين يطبق، لاسيما ما يخص مؤسسات فرض القوة. لكن جدار الرئيس محمد مرسي، غير مكتمل البناء أصلا، فيه فجوة كبرى عنوانها «انهيار الشرعية»، تسحب منه القدرة على تطبيق مبدأ «الكراهة الشرعية».
على أن أهم ما يواجه نظام حكم الإخوان في مصر، وهو مقبل على أزمة محددة الموعد، أن أبنيته متشرذمة، كل منها في اتجاه، بحيث لا يمكنه ضمان الاستفادة من قدرات معروفة لدى أدوات الدولة لأسباب مختلفة. وهو يعاني، بخلاف ما سبق، من حالة تشوه استثنائية وفريدة محورها الهوة الكبرى بين رأس النظام وبقية وحداته، والأهم من كل ذلك هو أن بعض المؤسسات تعاني «أزمة هوية» وتخبطا في تحديد الأهداف التي يجب أن تقوم بالعمل من أجلها.
الحالة المصرية الآنية هي التطبيق العملي الأمثل لما أطلق عليه صموئيل هنتغتون «التهرؤ المؤسساتي»، وصولا إلى ما يمكن أن نصفه الآن بـ «نظام المؤسسات المتبعثرة».
في ما يلي «تقدير موقف» لتلك المؤسسات في الأزمة المقبلة لصراع مصر يوم 30 يونيو:
• أولا: الشرطة
– أول جهة تتبع الدولة سوف تواجه التظاهرات المتوقعة.
– أصدرت وزارة الداخلية بيانا قالت فيه إنها سوف تحترم سلمية التظاهرات ودعت إلى التزامها بالسلمية.
– تمثل الشرطة أهم الأطراف الرسمية والمجتمعية الخاسرة، معنويا وماديا وتنظيميا، بعد 11 فبراير 2011، وليس لديها استعداد إضافي لتقديم تضحيات لحكم لم يرتبط بها.
– في 28 يناير 2011 حين خرجت التظاهرات ضد الرئيس السابق مبارك كانت الشرطة مرتبطة بنظام الحكم بشكل وثيق، وبتجسيد كامل لمبدأ «الاعتماد المتبادل»، وليس هذا متحققا الآن.
– إلى الآن تواجه الشرطة محاكمات مستمرة منذ ما يزيد على عامين ونصف العام حصل فيها ضباط كُثر على براءات. على خلفية ذلك لدى الشرطة مخاوف أكيدة من مواجهة محاكمات جديدة أو تحميلها بالمسؤولية.
– في 28 يناير لم تشارك عائلات ضباط وأفراد الشرطة في التظاهرات ضد مبارك، لكن هذا لن يتكرر في المرة المقبلة. فهل سوف تطلق الشرطة النار على عائلاتها؟
• السيناريوهات المتوقعة للشرطة:
1- أولوية لحماية المنشآت الشرطية.
2- تأخير التعامل مع التظاهرات بالإجراءات العنيفة.
3- احتمالات حدوث فجوة بين القيادات الأمنية والضباط الميدانيين (يوم السبت يجتمع الضباط في نادي الشرطة لإعلان موقف غير رسمي، لكنه مؤثر، من التظاهرات وهو ما يحدث للمرة الأولى).
4- احتمالات اندفاع مجموعات سياسية للاشتباك المتعمد مع الشرطة لإرباك التظاهرات وتحويل مساراتها.
5- قد تقرر مجموعات الأمن المركزي حماية قصر الاتحادية من داخله لا خارجه.
• ثانيا: القوات المسلحة
– نسبيا، ورغم تحديات كثيرة، فإن القوات المسلحة تعتبر هي المؤسسة الأفضل حالا بين كل الخاسرين في أزمة مصر بعد 28 يناير.
– حققت إعادة انتشار سياسي، واستعادت جزءا كبيرا من مكانتها الشعبية، وإن بقي قطاع سياسي، غير مجتمعي، على هجومه عليها.
– المؤسسة المصرية الوحيدة التي تتمكن الآن من لملمة وضعها الفني والبيروقراطي والتدريبي.
– تمثل مرجعية وطنية للشعب.
– لا يخجل الحكم من أن يطلب منها عونا ماليا واقتصاديا وخدميا قدمته مرات خلال الأشهر الماضية بدوافع حماية الأمن القومي لا الحكم.
– حققت مجموعة من المكاسب القانونية المخطط لها وغير المخطط لها. من بين المخطط لها: إقرار نص قانوني بألا يكون وزير الدفاع من غير رجالها. وصدور نص دستوري غير مخطط له يعطي الحق للمنضمين لها في التصويت بالانتخابات.
– معضلتها الجوهرية تحقيق التوازن بين ثلاثة متطلبات: نداء الشعب، وألا توصم بأنها تنقلب على «شرعية»، وألا تصطدم بالجهات الخارجية التي تقدم لها معونات مالية وفنية.
• السيناريوهات المتوقعة للقوات المسلحة:
1- تترك القوات المسلحة للحرس الجمهوري مسؤولية حماية الرئيس.
2- تطبق الخطط المقرة في حالة الأزمات لاسيما في ما يخص تأمين الحدود الشرقية وقناة السويس ومنشآت عامة.
3- لن يطلب منها الرئيس مرسي النزول إلى الشارع كما طلب الرئيس السابق حسني مبارك بعد انهيار الشرطة في 28 يناير.
4- الوضع الاضطراري هو الذي سيكون «تكئة» شرعية لأي تحرك للقوات المسلحة، تؤدي بها لأن تعبر «المعضلة الجوهرية الثلاثية».
• ثالثا: الحكومة
– تجسد الحكومة تعبيرا حقيقيا عن فجوة بنيوية في النظام. الرؤوس لا علاقة لها بالأبنية المؤسسية، الوزراء ينتمي أغلبهم لـ «الإخوان» لكنهم لا يفعلون شيئا.
– أحد أهم مطالب الرأي العام إقالة الحكومة الحالية، خصوصا رئيسها.
– تواجه الحكومة مشكلة تمويل فادحة تمنعها من اتخاذ إجراءات استيعابية.
– تعاني الحكومة من عدم السيطرة على الجهاز البيروقراطي.
– الأداء الحكومي بالإجمال أحد أهم أسباب الأزمة الحالية في مصر، خصوصا مشكلة الخدمات.
• السيناريوهات المتوقعة للحكومة:
1- لن تكون إضافة في يد الرئيس مرسي خلال إدارة الأزمة. ستكون الحاضر الغائب.
2- قد تلجأ لقرارات سلبية من نوع قطع الاتصالات، وهو احتمال بعيد.
3- قد تسبب قرارات سلبية أخرى مثل تعطيل المواصلات أو ابطاء السكك الحديد ردود فعل جماهيرية أشد عنفا. مثلا: تعطيل كوبري أكتوبر في مدينة القاهرة كما أشيع أخيراً.
4- الترضيات الاجتماعية ستكون مقيدة بمدى قبول الجمهور لصدقية تعهدات الحكومة التي لا تملك قدرة. وهذا القبول تقريبا «منعدم».
5- تحاول الحكومة من الآن حتى 30 يونيو الحفاظ على الحد الأدنى من مستوى الخدمات بطريقة «الترقيع المتبادل»، أي تقديم الخدمات للمناطق المتأججة وحجبها عن مناطق أخرى ما يسبب مشكلات إضافية في مناطق غير متوقعة.
6- قد يقيل الرئيس حكومته قبل 30 يونيو كحل سياسي اضطراري. وهو احتمال ضعيف. وإذا حدث فلن يمثل انفراجة للأزمة بل يضيف عوامل تحفيز للجماهير المترقبة.
7- دستوريا إذا حل مانع موقت دون أن يقوم رئيس الجمهورية بمهامه حل مكانه «رئيس الوزراء»، أي الدكتور هشام قنديل.
• رابعا: الإعلام
– تسيطر الحكومة على التلفزيون الرسمي والإذاعة الرسمية. كلاهما يفتقد المصداقية والجماهيرية.
– تواجه سلطة الإعلام نفس مشكلة عدم القدرة على السيطرة على الجهاز البيروقراطي.
– تسيطر الحكومة على شارات بث القنوات الفضائية المستخدمة من القنوات الخاصة.
– تسيطر الحكومة على الصحافة القومية التي تواجه أزمة مالية وإدارية وفنية فادحة. وتواجه الجماعة الصحافية مشكلة عدم صرف بدل التكنولوجيا (600 جنيه تقريبا) إما لأسباب تمويلية أو بسبب طعن تشريعي.
• السيناريوهات المتوقعة للإعلام:
1- ترديد خطاب «الإخوان» في ما يتعلق بضرورة الحفاظ على الشرعية وبقاء رئيس منتخب. وهذا لن يجد صدى مؤثرا.
2- حدوث انفلات بيروقراطي يؤدي إلى عدم السيطرة على الإعلاميين الذين سيكون «الهواء» بين أيديهم ولا يمكن ضمان طريقة تعاملهم. تجنب هذا بقرارات إدارية سيؤدي إلى مزيد من مشكلات الرسالة غير ذات المصداقية.
3- اتخاذ قرار عنيف بوقف شارات البث. سيحدث رد فعل محلي ودولي. توقعه بعيد.
4- احتمال استهداف المتظاهرين لمبنى الإذاعة والتلفزيون، وهو يخضع لحماية وحدات الحرس الجمهوري.
5- احتمالات حدوث اضطرابات في المؤسسات الصحافية القومية.
• خامسا: مجلس الشورى:
– وفقا لنص الدستور المصري في 2012، فإن رئيس مجلس الشورى يحل محل الرئيس في حالة العجز الدائم عن أداء المهام.
– حكمت المحكمة الدستورية ببطلان مجلس الشورى الحالي وأبقت عليه موقتا إلى أن يتم انتخاب مجلس للنواب.
• السيناريوهات المتوقعة لمجلس الشورى:
1- يواجه أزمة شرعية تجعل دوره كبديل محل طعن وعدم قبول عام.
2- قد يكون مجلس الشورى من بين أهداف التظاهر السلمي.
• سادسا: المحكمة الدستورية
– ليس للمحكمة الدستورية نص يتعلق بأي اختصاص في الدستور الحالي بشأن أي أوضاع مأزومة على هذا النحو.
– الأحكام التي صدرت عن المحكمة الدستورية في الآونة الأخيرة ساهمت في تقويض شرعية النظام من الناحية القانونية.
– تدعو بعض القوى المعارضة إلى أن يرأس رئيس المحكمة الدستورية مجلسا رئاسيا، وهو حل سياسي.
– يتزامن يوم التظاهرات المقرر مع موعد تغيير رئيس المحكمة الحالي.
• السيناريوهات المتوقعة للمحكمة الدستورية:
1- قد تتجه حركة «تمرد» بتقديم التوقيعات الـ 15 مليونا المطالبة بسحب الثقة من الرئيس إلى المحكمة الدستورية.
2- لا يوجد نص دستوري بشأن هذا. لكن المحكمة الدستورية ستكون مقصدا لـ «الوديعة الشعبية» ذات القيمة السياسية والإعلامية لا القانونية.
غدا: الجزء الرابع والأخير.
نقلا عن جريدة الراي الكويتية