قرابة عام على انتخاب رئيس مدني وتوليه مقاليد الأمور في مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، رئيس مدني قد

قرابة عام على انتخاب رئيس مدني وتوليه مقاليد الأمور في مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، رئيس مدني قد يختلف البعض أو يتفق على نسبة من أيده في السابق أو يؤيده في الوقت الحالي مقارنة بنسبة من صوت إليه فعلياً في العملية الانتخابية، إلا أنه لا يختلف أحد أنها كانت انتخابات حرة نزيهة مقارنة بالأحداث والظروف التي صاحبتها، كما لا يختلف البعض على أنه رئيس تُشير أحداث فترته حتى الآن إلى أنه جاء ليُمثل ويحقق مصالح جماعة ينتمي إليها لا مصالح شعب ووطن، ويبقى التساؤل عن إمكانية الخروج من نفق يضيق يوماً بعد يوم على أصحابه، وتنقطع في نهايته السُبل، بما يُنذر بانقطاع ما تبقى من بصيص للأمل، فهل هناك ما يُمكن القيام به تجنباً لاتجاه الوطن إلى أي من خياري الحرب الأهلية أو السير قُدماً في دائرة مفرغة تعود بالوطن إلى فترة انتقالية يتولى فيها الأمور المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي أصبح يُنادي بعودته الكثيرون.
إنه بالرغم من تصاعد وتيرة حالة التأزم وسيناريوهات الفشل المستقبلي، إلا أن خيارات الخروج من الأزمة مازالت متاحة، فهناك العديد من الإجراءات الأولية التي قد تتحول بموجبها الأمور كلية في حال اتخاذها، ومنها تحقيق التوافق مع المعارضة والقوى الثورية والشباب، والتصالح مع القضاء وحل أزمة النائب العام، وفتح باب الحوار لتعديل الدستور، وتقييد العمل التشريعي لمجلس الشورى وإقصار عمله على القوانين المنظمة للعملية الانتخابية.
إن تحقيق التوافق مع المعارضة والقوى الثورية والشباب، تتطلب العديد من الخطوات، فنحن أمام تيار احتكر إدارة المرحلة الانتقالية، وتعمد تهميش التيارات الأخرى التي سبقته في ميدان الثورة، وتبدأ الخطوة بمشاركة كافة القوى فى إدارة المرحلة الانتقالية وتحمل المسئولية، ويتضمن ذلك إقالة الحكومة التي أثبتت الأيام فشلها التام، والإتيان بحكومة تكنوقراطية تستطيع بخبرات أعضائها الخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية والمجتمعية والأمنية الحالية، كما تشمل حالة التوافق تضمين المعارضة والقوى الشبابية في منظومة صنع القرار، سواء كمساعدين أو مستشارين بمؤسسة الرئاسة أو كأعضاء في حكومة التكنوقراط.
إن الخطوة الثانية للخروج من الأزمة تتمثل في التصالح مع القضاة، فإن كان الهدف بناء دولة تعلو فيها كلمة القانون، فيجب التوقف عن محاولات اغتيال السلطة القضائية ورموزها والنيل من استقلالها، ويتضمن ذلك ترك أمور القوانين المنظمة لعمل السلطة القضائية لأبنائها، فأهل القضاء أدرى بشعاب منظومة عملهم، على أن يتم اقتراح القانون من شيوخ القضاة ومناقشته أمام مجلس النواب وليس مجلس الشورى. كما تتضمن الخطوة حل أزمة النائب العام، بإقالة النائب العام الحالي، أو تقديمه لاستقالته حفظاً لماء الوجه، وترك الأمور لمجلس القضاء الأعلى للاختيار ثم موافقة رئيس الجمهورية.
إن الدستور المصري الجديد، بما له وما عليه، ومهما اتفقت الآراء أو اختلفت على مواده، فهو دستور لم يأت بتوافق جميع فئات وتيارات الوطن، ومن ثم تكمن الخطوة الثالثة بضرورة فتح باب الحوار لتعديل الدستور، بمشاركة كافة القوى السياسية، وبصياغة من فقهاء القانون الدستوري التي يزخر الوطن بهم، وذلك من أجل الخروج بدستور يليق باسم مصر يستمر العمل به لعقود طويلة.
وفي الخطوة الرابعة نرى الإشكالية الأكبر، فقد كان من أسباب تحصين مجلس الشورى، الإبقاء على سلطة التشريع في مؤسسة منتخبة من الشعب، ودونما التطرق لنسبة التمثيل أو إجراءات انتخاب ذلك المجلس، إلا أن مرجعية التحصين كانت تستهدف وجود مؤسسة تشريعية منتخبة، يخرج منها القوانين الواجبة في الفترة القادمة، كقوانين مباشرة الحقوق السياسية، ومجلس النواب، المنظمة للانتخابات البرلمانية القادمة، إلا أن ما نراه هو سيل في إصدار القوانين، ومن ثم وجب العمل على ضبط العمل التشريعي وإصدار القوانين من مجلس الشورى وإقصار عمله على القوانين المنظمة للعملية الانتخابية في الفترة الحالية وحتى انتخاب مجلس نواب جديد.
إن تلك الخطوات الأولية لها من القوة لإعادة الأمور إلى نصابها، وتساهم في وضع رؤية يتشارك فيها الجميع لبناء الدولة المصرية الديقراطية الحديثة، وبالرغم من كثرة الأصوات المطالبة بها إلا أن الأشهر الماضية من حكم أول رئيس مدني لمصر بعد ثورة يناير، جرت فيها الرياح بما لا تشتهي السفن، فما من شيء تمناه المرء وأدركه، فنحن أمام نظام يرى خطوات استمراره ويستحيل عليه أن يتخذ قراره بها، وبعد مرور ما يزيد عن عامين، أصبحنا نتحدث عن ثورة أقرب إلى انتفاضة لم تؤت ثمارها، وتمر أيام تضيع فيها الفرص، نأمل أن يتم استغلال تلك الفرص بتحقيق بعض مما سبق من خطوات، لا أن تضيع تلك الفرص بتحولها إلى تحديات تُمثل تهديدات تنتقل بها عناصر القوة المتاحة إلى عناصر ضعف تضيق بها الفرص والمآلات التي من الممكن استغلالها في وطن كان مقدراً له أن يتحول إلى نظام ديمقراطي تشهد به الأمم على غرار ما شهدت بثورة شبابه.
