قبل بضعة أشهر كان التصريح الشهير لرئيس الوزراء هشام قنديل حول مقترحاته لحل أزمة انقطاع التيار الكهربائي وترشيد الاستهلاك عن
قبل بضعة أشهر كان التصريح الشهير لرئيس الوزراء هشام قنديل حول مقترحاته لحل أزمة انقطاع التيار الكهربائي وترشيد الاستهلاك عن طريق تقليل عدد أجهزة التكييف التي تعمل أثناء اليوم، وهو ما تناوله الكثيرون باعتباره مادة للسخرية والتندر … وبالطبع كان الوزير يعرض تجاربا لدى بعض الدول التي تعرضت لمشكلات مشابهة ….
ولم يكد الشارع يهدأ حتى تفجرت قضايا أخرى ، اتسم بعضها بالخطورة ، والأخرى بالسطحية .. والحلول المقترحة في الاثنتين بعيدة عن الواقع حسب رأي الكثيرين .. ومن مشاكل التعليم والحوادث المتكررة في المدارس إلى قضايا التحرش التي أصبحت السمة المميزة للشارع المصري … ومن مشكلة المرور التي اكتفت الداخلية بالإعلان صباح مساء عن تحرير عشرات الألاف من المخالفات دون ابتكار أية حلول لعلاج الأزمة المتجذرة على طرق وشوارع مصر المحروسة إلى أزمات السولار والبنزين وأنابيب البوتجاز .. ومن بقعة الزيت التي ظهرت في النيل عند محافظة الأقصر وامتدت لانحاء صعيد مصر لتتسبب حتى الآن في إغلاق نحو عشرين محطة لتنقية المياه ، إلى قضية إغلاق المحال التجارية في العاشرة مساء …
مشكلات كثيرة ، يراها من هم خارج نطاق صناعة القرار على أنها بسيطة لا تحتاج إلى كل هذا التباطؤ والتعقيد من جانب الحكومة في تنفيذها ، بينما يراها رئيس الوزراء ومن حوله مصيرية وأن حلها سوف يكون بمثابة الانطلاقة نحو مصر جديدة بدون منغصات …
استوقفني صراحة مشكلتان لم أجد تفسيرا لأي منهما .. وهما التسرب الزيتي الذي لوث مئات الكيلومترات من مياه النيل دون أن يعرف القائمون على شئون البيئة حقيقته حتى الآن ، والأخطر هو عدم قدرة الحكومة على احتواء بقعة الزيت رغم محدوديتها في البداية ، والثانية هي قضية إغلاق المحال التجارة عند العاشرة مساء ، دون تقديم سبب واضح لذلك القرار ، وتوقيته ، اللهم إلا إن كان فرقعة أريد بها إلهاء الشارع والإعلام عن شيء أخطر … وإن كانت مشكلة خطيرة في نظر الحكومة ، فهل هي حجة لجباية مزيد من الأموال على غرار غرامات المرور التي انتفض الأمن فجأة لزرع عشرات الأكمنة المتقاربة لرصد السرعات الزائدة والمخالفين لقواعد الأمن والمتانة ؟؟ أم هي لترشيد استهلاك الكهرباء ، رغم أن القرار لم يتم تنفيذه في فصل الصيف ، وهو أولى به ؟؟؟ أم هو لمحاربة ظاهرة التحرش كما يردد البعض ، وكأن الحل في ضبط أخلاقيات الشارع يكمن في بقاء الفتيات في بيوتهن ؟؟ أم هو قرار لزيادة طوابير العاطلين وزيادة الأعباء المالية على كاهل أرباب البيوت ؟؟
الدول التي تطبق نظام إغلاق المحال التجارية مبكرا أوجدت الحلول لمشاكل الغلاء ومراقبة الأسعار وتوفير فرص العمل قبل أن تتخذ مثل هذا القرار ، بينما يصر القائمون على الأمور في مصر على اتباع سياسة الأمر الواقع .. فالشعب آخر من يعلم ، وطالما مرت الأمور بسلام أو بقليل من المعارضة ، فإن المقترح صار قاعدة ومشروع القانون تحول إلى قانون يطبق بأثر رجعي منذ عشر سنوات ، أما إذا كانت المعارضة قوية والإعلام يسير عكس التيار ، فبسرعة البرق يخرج متحدث رسمي لينفي النبأ ويؤكد أنها كانت آراء شخصية من نسج خيال قائلها …
منظومة القيادة لابد وأن تتسم بالشفافية المطلقة إذا ما أردنا أن نبني مجتمعا ديمقراطيا حقيقيا ، يحاسب فيه الكبير قبل الصغير ، ويثاب فيه المحسن قبل أن يعاقب المسيء .. مجتمع يفتح الباب على مصراعيه أمام الحلول للمشكلات حتى لو قدمها الخصم أو المنافس .. هكذا فعل الرئيس الأمريكي باراك أوباما عندما أثنى على أسلوب تعامل حاكم ولاية نيو جيرسي مع الإعصار ساندي رغم أنه من الجمهوريين .. ورغم أن الإعصار خلف عشرات القتلى ، إلا أنه رأى أنه تم التعامل مع الإعصار بطريقة مثلى ليس فيها تقاعس ولا تباطؤ كالذي تعاملنا به مع بقعة الزيت التي هزت صعيد مصر ، وأصحاب الشمال بانتظارها…
