من السهل أن يشعر الإنسان باليأس من بطء التقدم في التحولات السياسية في العالم العربي، ففي سورية صراع دموي لا

من السهل أن يشعر الإنسان باليأس من بطء التقدم في التحولات السياسية في العالم العربي، ففي سورية صراع دموي لا تلوح له نهاية، والتحول في مصر كان عنيفاً وتسوده الفوضى، والحكومة الانتقالية في ليبيا تَجهَد من أجل توسيع سلطتها عبر هذا البلد الواقع في شمال إفريقيا.حسب تقرير فاينينشال تايمز
لكن من حين لآخر، تحدث أشياء تُذكِّر أهل المنطقة بالأمور التي كانت محور ثورتهم. فعلى الرغم من الفوضى حولهم، وعلى الرغم من مشاعر الإحباط، إلا أنهم يستمتعون بمذاق الحرية السياسية ويشاركون في بناء مكونات الديمقراطية التي قاتلوا من أجلها.
إحدى اللحظات التي من هذا القبيل جاءت يوم الخميس، حين تَواجَه اثنان من أبرز المرشحين الرئاسيين في مصر في مناظرة تلفزيونية حامية استمرت أربع ساعات وكانت الأولى بالنسبة لمصر وللعالم العربي. لم يحدث قط من قبل أن تعين على الراغبين في الرئاسة التنافس على هذا النحو أمام الجمهور وبهذه الشراسة من أجل الحصول على الأصوات. طرفا المناظرة هما عمرو موسى، الذي كان في السابق وزيرا للخارجية في مصر ثم أصبح أميناً عاماً للجامعة العربية، وعبد المنعم أبو الفتوح وهو إسلامي معتدل. وقد طُلِب من كل منهما أن يصرح عن دخله وعن سجلاته الطبية. (تنصل عمرو موسى من الإجابة، وأصر على أن كل شيء سيقال في حال فوزه في الانتخابات، أما أبو الفتوح، الذي كان أفقر وأصغر سناً، فقد كان في منتهى السعادة للإجابة عن السؤال).
الفكرة التي ركز عليها موسى لاجتذاب الناخبين في الانتخابات التي ستبدأ في 23 مايو الجاري هي أن يختاروا بين الخبرة ويفضلوها على التجريب، والاستمرار على سياسة الإسلاميين. أما أبو الفتوح فإنه يُسَوِّق نفسه على أنه رمز للثورة، وعلى أنه رجل يستطيع تجميع الليبراليين والإسلاميين تحت علم واحد ويأخذ مصر باتجاه المستقبل.
لم يكن هناك سؤال، على ما يبدو، يمكن اعتباره محظوراً، سواء كان حول العلاقة التي يتصورها المرشح مع العسكريين في مصر، الذين يتولون الحكومة الانتقالية والذين لا يرغبون في تسليم السلطة إلى المدنيين، أو الموقف بخصوص إسرائيل، أو مكانة الإسلام في رؤيتهم للحكومة.
وهكذا تَعرَّف المشاهدون على عالم جديد من السياسة القذرة، لكن الشفافة. كانت هناك ملاسنات مريرة حين حاول كل مرشح الانتقاص من المرشح الآخر، واجترار القضايا السابقة المثيرة للجدل والتي يمكن أن تلوث صورة الشخص.
وتعرض موسى للهجوم على دوره أثناء النظام السابق لحسني مبارك، وتعرض أبو الفتوح لعلاقاته مع جماعة الإخوان المسلمين، التي كان من زعمائها البارزين حتى السنة الماضية.
صحيح كان هناك كثير من المواقف الغامضة والأجوبة الناقصة، لكن مع ذلك حصل ملايين المصريين على فرصة للمقارنة بينهما وتحديد خيارهم بصورة مستنيرة.
كان هناك جانب غريب في المناظرة، وهو التركيز المحدود على الاقتصاد، رغم أنه يقع على رأس أولويات الناخبين بعد أكثر من سنة من الركود الاقتصادي وتراجع احتياطيات العملة الأجنبية. والذي حدث هو أن الموضوع الذي هيمن على النقاش كان دور الإسلام في السياسة – وهو بالمناسبة السؤال الأساسي الذي يواجه جميع البلدان التي تمر بمثل هذه المرحلة الانتقالية في المنطقة.
المرشح الذي يدخل الانتخابات على أساس برنامج إسلامي واضح – وهو محمد مرسي، العضو في الإخوان المسلمين – اختار عدم المشاركة في المناظرة. لكن هذا لم يمنع عمرو موسى من محاولة تصوير أبو الفتوح على أنه أكثر تشدداً حتى من الإخوان، مشيراً في ذلك إلى التأييد الذي يلقاه من السلفيين المعروفين بأنهم من غلاة المحافظين.
كانت رسالة موسى هي أنك إذا كنتَ تريد مرشحاً غير إسلامي، فعليك أن تسانده. لكن هل ستجد الرسالة صدى لها؟
ربما يرتاح السلفيون لأبي الفتوح، لكن هذا هو كذلك شعور كثير من الليبراليين واليساريين، خصوصاً بين الشباب الذين قادوا الثورة. بالنسبة إليهم يعتبر عمرو موسى من مخلفات النظام القديم، وهو في الوقت نفسه بعيد عن واقع مصر اليوم.
من المؤكد أن من الصعب أن نتخيل – على المدى القصير على الأقل – أن السياسة الإسلامية لن تحتل دوراً بارزاً في مصر الجديدة. وما يثبت ذلك هو أنه في الوقت الذي كان فيه موسى يدافع عن خطه غير الإسلامي بقوة، ذكَّره أبو الفتوح بأنه قبل أشهر قليلة فقط صوَّت المصريون بصورة ساحقة للأحزاب الإسلامية، التي تسيطر الآن على 70 في المائة من مقاعد البرلمان.