أحد عشر شهرا تقريبا مرت على ثورة الخامس والعشرين من يناير ، بدأت بمواجهة بين قوات الشرطة وجموع الشعب الغاضبة
أحد عشر شهرا تقريبا مرت على ثورة الخامس والعشرين من يناير ، بدأت بمواجهة بين قوات الشرطة وجموع الشعب الغاضبة من الفساد المتغلغل في أنحاء مصر والاستبداد والبطش الذي تمارسه الداخلية ضد من يفكر ولمجرد التفكير في معارضة النظام … المواجهة لم تنتهي بين أصحاب الحق ومن اغتصبوه ، اصحاب الحق هم جموع الشعب المصري ومن اغتصبوه هم أنفسهم اصحاب المصلحة في استمرار دوامة العنف والانفلات الأمني ، في استمرار حالة الاحباط والياس التي تلاحق الفقراء كلما ذهبوا لشراء سلعة ليجدوا أن سعرها تضاعف دون مبرر ودون رقيب ، ليلعنوا الثورة ومن فكر فيها …
ما حدث أمام مجلس الوزراء ومجلس الشعب ومن قبل في شارع محمد محمود وغيرها من الأحداث المؤسفة ليست نتيجة احتقان بين الشعب وقوات الأمن كما يحلو للبعض دائما أن يسمونها ،،، إنما هي بفعل فاعل ، فكر وقدر ، واختار التوقيت المناسب لفعلته .. فهو يعلم أن الظروف ملائمة جدا في ظل الانقسامات التي تشهدها الساحة السياسية ..
فمع دخول المرحلة الثانية من الانتخابات نهايتها ، يعيش الإخوان المسلمون والسلفيون حالة من النشوة بما تحقق لهم من تقدم ، وكذلك الكتل والأحزاب الأخرى التي لم تكن تتمتع بأي تمثيل برلماني في نظام مبارك … أما المعتصمون أمام مجلس الوزراء الرافضون لحكومة الدكتور كمال الجنزوري فلا يتجاوز عددهم المئات ، كما أنهم لا يملكون وسائل التأثير والدعاية ، فضلا عن الانشقاقات الواضحة في ائتلافات الثورة ، ما يجعلهم أقل تأثيرا وجاذبية في الشارع .. فلا خطر منهم إذا … ولكن ما الهدف من إثارة أحداث مجلس الوزراء في ذلك التوقيت بالذات ؟؟ ..
قبل أيام من تفجر الأحداث انتشرت قوات الشرطة في الشوارع بكثافة وطارد رجال الأمن البلطجية في عقر دارهم واستطاعوا أن يوجهوا ضربات قاصمة إلى العصابات والتشكيلات الاجرامية في أنحاء مصر ، وبدأ المواطنون يشعرون بنوع من الطمأنينة لعودة الأمن المفقود ، وهو ما يشير الى ان القدرة لدى الداخلية موجودة ولكن المشكلة تكمن إذا في الرغبة…. كما أن الصورة الرائعة التي خرجت بها العملية الانتخابية من حيث التأمين يؤكد القول بأن قوات الأمن المدنية والعسكرية قادرة تماما على ضبط سارق البيضة … اذا فحكومة الدكتور الجنزوري بما لديها من صلاحيات واسعة خولها لها المجلس العسكري استطاعت أن تؤمن الانتخابات في تسع محافظات ، بينما تعجز عن إنهاء اشتباكات بالحجارة في واحدة من أكثر المناطق الحساسة بالقاهرة حيث مجلس الوزراء ومجلس الشعب ؟؟؟ .. اشتباكات دارت لساعات طويلة بين مجموعة من الأفراد لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين يعتلون أسطح المباني ويطلون من نوافذها ليقذفوا المعتصمين الغاضبين في الشارع بالحجارة .. فإلى من ينتمي هؤلاء ومن يحركهم ؟ أليس هناك رجل رشيد يعطي أمرا بإنزالهم وإخراجهم من المبنى حتى يهدأ الشارع ؟ ومن أين لهم بالزجاجات الفارغة وكميات الحجارة ؟؟
هناك تجارب عدة مع اختلافها مع ما يحدث في مصر قد يكون في العلم بها معينا على تفسير ما يحدث على أرض الكنانة ….
في الجزائر ، وبالتحديد في بداية التسعينيات عندما استطاعت جبهة الانقاذ الاسلامية تحقيق فوز ساحق في الجولة الاولى من الانتخابات البرلمانية بحصولها على نحو ثمانين بالمائة من الاصوات ، تعالت الأصوات المحذرة من صعود الاسلاميين الى السلطة وهو ما ترتب عليه إلغاء نتيجة الانتخابات التي اعتبرتها جبهة الانقاذ اعترافا وتخويلا من الشعب لها بتمثيله في الحكم ،، ودخل الجزائريون في دوامة من العنف لا يزال المجتمع الجزائري يحاول التعافي منها حتى الآن ….
كما أن ما دار بالسودان في فترة الحكم الاسلامي متمثلا في حسن الترابي وتزاوجه مع السلطة متمثلة في الرئيس عمرالبشير كانت نتيجته قاسية ، حيث انقسم السودان في النهاية الى دولتين ، ومطروح الآن للقسمة على ثلاثة أو حتى أربعة ، دون أن يخطو السودان خطوة واحدة نحو الديمقراطية الحقيقية … وما حدث في لبنان وغيره من البلدان العربية لا يبشر بخير ، فمراكز القوى والمصالح هناك لا تزال تحكم وتتحكم سواء عن طريق صناديق الاقتراع أو من دونها ..
بالطبع مصر ليست كالجزائر ولا السودان ولا لبنان وليست أيضا كتونس التي اختارت حكومتها ورئيسها وطاردت طاغيتها حتى لجأ إلى جدة وحرمت زوجته من كل ثروتها التي جمعتها هي وأشقاؤها من جيوب الشعب التونسي .. ومصر ليست ليبيا التي سمحت بهيمنة الأصوليين على ساحة القتال، وليست العراق الذي اطلق شعبه العنان لنفسه في تصفية الحسابات بين طوائفه …
ما حدث أمام مجلس الوزراء كان يمكن احتواءه والسيطرة عليه في دقائق معدودات إذا ما وجدت البصيرة في استقراء الأمور ، والفرصة قائمة الان ايضا لتداركه اذا توافرت الشفافية في الكشف عن المسؤلين عن تلك الأحداث ومحاسبتهم ، لا أن تمر كسابقاتها مرور الكرام.. فهل يفعل الدكتور الجنزوري ما لم يفعله عصام شرف عندما غض الطرف عن مرتكبي أحداث ماسبيرو ومحمد محمود ؟ وهل من الممكن ان يخرج علينا وفي يديه قائمة بأسماء من تورطوا في سلسلة الجرائم التي هزت أمن مصر منذ سقوط المخلوع ، ويبدأ في محاسبتهم ؟؟ … أم أن على الشعب المصري أن يردد المقولة الشهيرة " وكأنك يا أبوزيد ما غزيت " ويكتفي بمشاهدة فيلم رد قلبي ؟؟..
