الرأي

استجاب النظام الحاكم أخيرا لرغبة الدكتور فاروق العقدة محافظ البنك المركزي في الرحيل عن منصبه كمحافظ بعد الحاح شديد ومتكرر

 

استجاب النظام الحاكم أخيرا لرغبة الدكتور فاروق العقدة محافظ البنك المركزي في الرحيل عن منصبه كمحافظ بعد الحاح شديد ومتكرر لاقناعه بالبقاء كان يقابله اصرار من العقدة علي ترك المنصب لافساح الطريق امام جيل جديد يتحمل المسئولية .. لم تكن هذه هي المرة الاولي التي يتقدم فيها العقدة بالاستقالة ولم يكن النظام الحاكم الان هو النظام الوحيد الذي يطالب العقدة بالبقاء .. الرجل هدد بالاستقالة مرتين في عهد مبارك وتقدم بها ثلاث مرات للمشير طنطاوي حين كان يتولي ادارة البلاد وقدمها لمرسي مرتين .
لعل البعض لايعلم أن العقدة هدد بالاستقالة مرتين في ايام مبارك .. أما المرة الاولي فجاءت ردا علي ضغوط تعرض لها للانضمام للحزب الوطني لكنه رفض وقال أن محافظ البنك المركزي لابد أن يبقي مستقلا واضطر للتلويح بالاستقالة وعندها تدخل مبارك وأمر بعدم الضغط علي العقدة في هذا الشأن مطلقا وذلك خوفا من عودة الجهاز المصرفي الي سابق عهده قبل العقدة حين تجاوزالدولار 7 جنيهات  وكان الاحتياطي أقل من 13 مليار دولار وحجم التعثر في البنوك كان مرعبا … المرة الثانية التي هدد فيها العقدة بالاستقالة كانت اعتراضا علي ديون احمد بهجت والتي اصبح للبنوك المصرية الحق في استعادة اراضي دريم واراضي الدولة والحجز علي مجموعة دريم .. بهجت كان علي قائمة الممنوعين من السفر بسبب الاجراءات القانونية التي اتخذتها البنوك المصرية بدعم من العقدة حفاظا علي المال العام ولكن بهجت اراد ان يسافر الي امريكا وعندها تدخل بعض رجال الاعمال وسياسيون بعضهم من اقطاب المعارضة لدي مبارك لاقناعه بضرورة رفع اسم بهجت من قائمة الممنوعين من السفر بسبب ظروف صحية ورغبته في العلاج في الخارج .. حينها كان العقدة يؤدي مناسك العمرة وعندما علم بالامر هدد مجددا بالاستقالة فاستجاب له مبارك مرة ثانية وتم التوصل الي حل حيث وقع بهجت علي اوراق ومستندات جديدة تضمن حق البنك المصرية في الحجز علي مجموعة دريم في حالة انتهاء المهلة دون سداد المديونية وهذا ماحدث بالفعل بعد انتهاء المهلة ولعل ذلك يفسر بعض من اسباب الحملة الاعلامية التي كان يتعرض لها العقدة ونائبه طارق عامر الذي اصبح رئيسا للبنك الاهلي قبل ان يستقيل اليوم ..كانت حملة انتقامية وتصفية حسابات .
بعد أن تولي المجلس العسكري ادارة البلاد تقدم العقدة باستقالته مجددا لكن المشير رفضها ثلاث مرات بل أنه قررالتمديد له لولاية جديدة وكان المشير طنطاوي يضغط علي العقدة للبقاء حفاظا علي سلامة الجهاز المصرفي وحتي يتم تسليم السلطة وكان بقول له اعتبر نفسك تقدم خدمة للوطن كما كنت تقدمها في الجيش حيث ظل العقدة 7سنوات جنديا في الجيش الذي التحق به منذ حرب الاستنزاف عقب هزيمة 67 واستمر حتي تحقق نصر اكتوبر شأنه في ذلك شأن اي شاب مصري خاض الحروب من اجل تراب الوطن .
قبل الانتخابات الرئاسية بثلاثة اشهر شرفت بالجلوس الي الدكتور فاروق العقدة في مكتبه بالبنك المركزي ولا أنسي دروس عديدة تعلمتها منه .. فقد أبلغني حينها انه ينوي الاستقالة من منصبه بعد تسليم السلطة الي رئيس منتخب وحين بادرت بسؤاله .. هل لديك هواجس من احتمالية فوز احد مرشحي التيار الاسلامي لهذا ترغب في الاستقالة ؟ .. اجاب قائلا الامر لايرتبط بانتماء الرئيس القادم ولكن هذا ماتعلمته .. ففي امريكا عندما يأتي رئيس جديد يتقدم اليه 46 مسئولا باستقالاتهم من بينهم محافظ البنك الفيدرالي الامريكي وذلك لافساح المجال أمام الرئيس الجديد لاختيار القيادات التي يراها قادرة علي تنفيذ مشروعه وبرنامجه السياسي والاقتصادي لذا سوف اتقدم باستقالتي بمجرد انتخاب رئيس جديد أيا كان حتي يختار الكفاءات القادرة علي تنفيذ برنامجه .. قال العقدة أيضا انه مؤمن تماما بأن مصر لديها كفاءات افضل منه علي حد قوله وانه يرغب في ان تتولي تلك القيادات المسئولية اضافة الي انه لم تعد لديه رغبة في العمل .
يبقي السؤال .. لماذا كان مبارك وطنطاوي ومرسي حريصون الي هذا الحد علي بقاء العقدة .. حتي أن مرسي طلب منه تشكيل الحكومة لكنه رفض ؟ الاجابة تكمن في اداء الرجل فقد كان لايهوي الظهور الاعلامي واثارة الجلبة والجدل ولكنه كان يعمل في صمت رغم بعض الحملات التي كان يتعرض لها بين الحين والاخر سواء قبل الثورة او بعدها .. بعض تلك الحملات كانت تقصد ازاحته من الطريق بعد ان ظل مرشحا لرئاسة الحكومة قبل الثورة وبعدها .. حملات اعلامية اخري كانت تضغط عليه لتنفيذ رغبة رجال الاعمال في خفض اسعار الفائدة بالبنوك بحجة تشجيع الاقتراض .. كان العقدة حريصا علي العمل حتي نجح في القضاء علي السوق السوداء للعملة الصعبة وعاد الدولار من سعر تجاوز 7 جنيهات الي مايزيد قليلا عن 5 جنيهات قبل الثورة ونجح ايضا في زيادة الاحتياطي النقدي من 13 مليار دولار الي نحو 37 مليار دولار كما دعم المراكز المالية للبنوك وحمايتها باجراءات وقائية ضد الازمة المالية العالمية التي بدأت بانهيار بنوك عالمية .. حتي بعد الثورة ورغم التوتر ظل الجهاز المصرفي متماسك حتي قرر العقدة الرحيل .
الخطوات أو الإجراءات التى اتخذها فاروق العقدة، كانت بمثابة وقوف ضد تيار جارف، فى تقدير كثير من خبراء الاقتصاد، وهى التى حمت مصر من شر الأزمة المالية العالمية، وهى ذاتها التى لجأت إليها الولايات المتحدة الأمريكية بتدخلها الحكومى لإنقاذ اقتصادها.

التجربة التى أشاد بها البنك الدولى فيما بعد، واستلهمتها وصارت على هديها بعض الدول فى الأزمة المالية العالمية، هى تجربة العقدة الذي خطط وأدار عمليتين وطنيتين لم يشعر بهما أحد رغم خطورتهما. العملية الأولى غير مسبوقة عالميا حيث قام فى ٢٨-٦-٢٠٠٦ بالاستحواذ على أربعة بنوك ودمجها فى بنك واحد، وهو البنك الأول الذى تؤسسه الدولة ويمتلكه البنك المركزى.

البنوك الأربعة أفلست ولديها ديون شبه معدومة، عند رجال الأعمال المتعثرين والذين دخل معظمهم السجون، أو فروا خارج البلاد، تاركين ديونا للبنوك الأربعة، بلغت خمسة مليارات وسبعمائة مليون جنيه. كان من الحكمة ألا يتم الإعلان عن إفلاس هذه البنوك حتى لا يحدث هياج شعبى عند المودعين، فضلا عن فقدان ثقة المستثمرين فى الاقتصاد المصرى، ولهذا كان لابد من تدخل الدولة حفاظًا على أموال المودعين وحماية لسمعة الاقتصاد.

البنوك الأربعة هى الدقهلية والمصرف الإسلامى الدولى (بنك الاستثمار والتنمية)، وبنك النيل، والبنك المصرى المتحد، تم الاستحواذ عليها ودمجها فى بنك واحد هو المصرف المتحد، واستطاع خلال عامين تقليص الخسائر من خمسة مليارات وسبعمائة مليون جنيه إلى مليار وأربعمائة مليون جنيه فى الفترة من ٢٠٠٦-٢٠٠٨ وذلك عن طريق التفاوض المباشر مع المتعثرين ومساعدتهم على تسديد ديونهم،
وبالتالى تمكن أكثر من ١٨ رجل أعمال من الخروج من السجون بعد تسديد ما عليهم من مديونيات. هذه تجربة فريدة وغير مسبوقة، لكن اعتبرها البنك الدولى عام ٢٠٠٦ علامة ضعف فى الاقتصاد المصرى لأنه رآها نوعًا من أنواع التأميم، ثم اعتبرها فى عام ٢٠٠٨ بُعد نظر وحكمة. أما فى مصر فقد كان الأمر محل انتقاد شديد لفاروق العقدة، إذ كيف يكون البنك المركزى رقيبًا ومالكًا فى وقت واحد، دون أن يعى أحد حجم الكارثة التى ستقع على المودعين حال عدم تدخل الدولة؟
مهمة العقدة الثانية كانت استرداد أموال البنوك من المتعثرين، فتركهم فى السجون أو الخارج لن يفيد الدولة فى شىء هذا الرجل الوطنى كان عليه أن يطرح سؤالا مهما لكل متعثر: ماذا لديك من أملاك، وهل أنت جاد فى حل الأزمة؟ وعليه دخل رجال الأعمال فى مفاوضات مع البنوك وتم الانتهاء من ازمة التعثر التي كانت تروع البنوك المصرية وقدرها البعض بنحو 60 مليار جنيه .
العقدة نجح باقتدار في انقاذ مصر من الافلاس عدة مرات وليس في ذلك ادني مجاملة للرجل الذي رحل بمحض ارادته .. لغة الارقام التي لاتعرف الكذب تتحدث عن عبقرية العقدة المصرفية ..التقارير الدولية هي الاخري ..الاعلام الدولي .. جميعنا يعرف ان العقدة كان دائما هو الحل ولكننا في النهاية لانملك الا الرضوخ لرغبة الرجل في الرحيل وندعو له بالتوفيق ان شاء الله .
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى