استثمار

الرأسمالية .. البطالة .. الاسكان .. الانتاج ..العدالة الاجتماعية كيف تتحقق

قال ان التحولات الكبري في العالم لاتحدث دون مشاركة شعبية لذا ينبغي علي صانع القرار في مصر الذي يدير احد التحولات الكبري ان يشرك معه الشعب ليعضد منه ويعزز فرص النجاح .. اضاف ان الدولة لا ينبغي ان تستمر علي حالها هكذا تتعامل مع المواطن باعتباره فقيرا يستحق الاحسان وليس مواطنا له حقوق وعليه التزامات ..تحدث عن مفهوم العدالة الاجتماعية واللامركزية واصلاح الجهاز الاداري للدولة وضرائب البورصة والضرائب التصاعدية والبطالة وكيف ان ازمة الاسكان يمكن ان تحمل الحل في مشكلة البطالة لكنه استنكر ان يقوم القطاع الخاص بانجاز الاسكان الشعبي وقال ان هذا هو دور الدولة في العالم كله .. انه الدكتور شريف دلاور الخبير الاقتصادي المرموق في حوار مطول يرصد فيه اسباب الازمة الاقتصادية في مصر منذ قبل الثورة وحتي الان ويشخص مواطن العلة والمرض ويقدم الحلول القابلة للتنفيذ من واقع خبراته ورصده لتجارب التنمية في مختلف بلدان العالم .. الدكتور دلاور حاول في مؤلفاته وفي المقدمة منها كتاب السطو علي العالم ان يرصد حركة الرأسمالية العالمية ودور الشركات العالمية في اعادة صياغة شكل العالم من جديد .. كما حاول في مقالاته واحاديثه الصحفية الممتدة ان يرصد بموضوعية حركة العالم لعلنا نستفيد من الايجابيات ونتجاوز السلبيات التي تقود قطعا الي القهر ومن ثم الي الانفجار .. والي تفاصيل الحوار الذي نعتبره وثيقة وخلاصة خبرات الخبير المرموق التي لم يبخل بها علي وطنه او علي طلابه في الجامعة او علي صانع القرار لعلنا نستفيد :

حوار : سيد اسماعيل

علينا ان نتساءل في البداية لماذا فشل النهج الاقتصادي والاجتماعي لمصروأدي الي هذا الانفجار الثوري الهائل وعدم رضا الجماهير عن أداء حكومات ما بعد الثورة ؟

* هناك مناهج أخري في دول العالم يمكن ان نحتذي بها لكننا ارتضينا أصولية السوق الذي نال رواجا منذ عهد ريجان وتاتشر وتبنته في مصر حكومتا عاطف عبيد واحمد نظيف وهو النهج الذي يري في تحرير الاسواق الحل الامثل لمشاكل التنمية, الا ان العالم أدرك وبالذات بعد أزمة2008 مدي الأثار المدمرة لثورة التحرير المالي وما صاحبها من زيادة مطردة للنشاط المالي في الناتج الاجمالي علي حساب نسب الانتاج والأصول المنتجة, وتآكلت مفاصل الدولة- القومية واستبدلت بمنظومة الدولة السوق وانهار في العديد من دول العالم بما في ذلك الغرب المتقدم وتشكلت نخب جديدة المال هو حافزها الوحيد غير مكترثة بالمشاكل العامة مما أدي الي تهتك للنسيج الاجتماعي فخرجت الشعوب الي الشوارع للمطالبة مباشرة بحقوقها الاجتماعية والاقتصادية متعدية الأحزاب التقليدية والتي أصابها العجز نتيجة سعيها وراء مصادر تمويل الحملات الانتخابية دون الاعتماد علي الشارع مما قوض قواعدها الشعبية, ومع هذا السباق الجنوني نحو المال تحول الاعلام ايضا الي وكالات للعلاقات العامة الخاصة بالساسة ورجال الأعمال بدلا من كونه ممثلا كما هو مفترض في الديمقراطية لضمير وذاكرة الأمة.

ماذا عن المناهج التي التزمت بها دول اخري ؟

*علي النقيض اتبعت الصين ودول آسيوية اخري نهجا مختلفا, ولقد أبرزت لوريتا نابليوني الباحثة الاقتصادية المرموقة تشابه مفاهيم الاقتصاد الاسيوي في الصين وكوريا وسنغافورة وتايوان ومفاهيم الاقتصاد الاسلامي في ماليزيا في كون المال أداة إعمار وانتاج وبأن هدفه ليس توليد مزيد من المال ولكن إعطاء الحياة لثروة حقيقية منتجة, وتري نابليوني ان النهج الاسيوي بمرادفيه الاسلامي والكونفوشي يضع الضمير الاجتماعي في المقدمة ويركز علي مشترك الجمع الوطني بخلاف الانانية المتحررة للنهج النيوليبرالي, فالثروة هي ملكية الجميع وان كان البعض بطبيعة الحال- يمتلك من الثروة اكثر من الآخرين الا انه يجب ان تستخدم هذه الثروة لصالح الكل ولإستفادة الكثرة لا القلة فمؤسسات الاقراض تقوم بدور إجتماعي لتوفير السيولة للمجتمع لكي ينمو وهو دور يعلو علي الدور التجاري, فالمشاركة في المخاطر هي الاساس القيمي للعمل الاقتصادي بهدف التماسك الاجتماعي, علاوة علي ذلك فان النظام المالي في الصين والهند والي عهد قريب في العديد من الدول الاسيوية التي حققت التقدم بقي مغلقا من حيث تحرير العملة الوطنية والضوابط الشديدة علي تدفقات الأموال الداخلة والخارجة وفوق كل ذلك الاعتماد رغم الفقر- علي الادخار وليس الاستدانة لتحفيز النمو.
إن جوهر الاشكالية عندنا في مصر يتمثل في عدم إدراك الحكومات المتتالية بأن النهج الاقتصادي الذي اتبع في العقد الاول من الالفية يجب تغييره جذريا وهو لم يتم حتي الآن, مع اهمية العلم باننا نحن المصريين أبناء تاريخنا الطويل, فالاسرة والدولة عندنا تتبع كودا قيميا استمر لعصور وانه لمن الخطأ الاعتقاد بان الاقتصاد لا يتأثر بالقيم الثقافية وانه يمكن بالتالي استيراد نموذج اقتصادي بكامله دون تطويع مع خصائصنا.
الحاجة ملحة لتفحص لب المشكلة الاقتصادية لكيلا تتكرر إخفاقات ما قبل وبعد الثورة‏,‏ والمدهش ان العديد من ذوي الشأن في دوائر المسئولية وخارجها يحبذون العودة الي الأداء الاقتصادي للنظام السابق

– لكنهم هكذا يتجاهلون  مطلب الجماهير الشعبية بمجتمع اكثر عدلا وبالقضاء علي مسببات الفقر والبطالة والإقصاء الناجمة عن سياسات إقتصادية هي أساس المشكلة! أين إذن مكمن الخطأ؟

* أولا: النمو المرتفع في سنوات ما قبل الثورة اعتمد علي الاقتراض الكثيف من قبل الحكومة والمؤسسات العامة والخاصة نتيجة تدني مستوي الادخار الوطني(13% من الناتج الاجمالي مقابل حوالي40% في الهند والصين) وكما ان الاستثمار الاجنبي المباشر الذي تم تشجيعه لسد الفجوة جاء في معظمة في صناعات تجميع أو للاستفادة من اتفاقية الكويز لدخول السوق الامريكية أو في صناعات وخدمات موجهة للاستهلاك المحلي, وانحصرت صادراتنا للمنافسة في سوق القيمة المضافة المنخفضة لا العالية التي تتحقق من خلال المعرفة والتكنولوجيا والزيادة المطردة في الانتاجية, واعتمد هيكل الصناعة المصرية بقدر كبير علي نسب أعلي من المكون الأجنبي عن المحلي مما يعني انه كلما زاد إنتاجنا وارتفع النمو زادت الفجوة في الميزان التجاري وزاد الضغط علي سعر صرف العملة الوطنية ولولا الايراد الريعي من تحويلات المصريين في الخارج وعائدات قناة السويس والسياحة لتدهور سعر الجنية منذ بداية الالفية.
ثانيا: بالاضافة الي ذلك ونتيجة اعفاء الارباح المحققة في البورصة من الضرائب ـ بينما العمل المنتج خاضع للضريبة ــــــ تحول هذا الكيان الاقتصادي المهم الي مرتع للمضاربة ولخروج الاموال ولتكوين ثروات ورقية مصطنعة وكان الأجدي النظر الي تجارب العالم حولنا فالصين مثلا لم تتأثر بازمة جنوب شرق أسيا في عام1997 لانها ورغم فتح الباب واسعا امام الاستثمار الاجنبي المباشر لبناء المصانع وايجاد فرص عمل فانها لم ترحب بالاموال الساخنة لادراكها انها تجلب معها عدم الاستقرار المالي ولا تحقق تنمية حقيقية والتجارب كثيرة في هذا المضمار والتي تؤكد ان الدول التي حققت نموا مستداما والتي جذبت معظم الاستثمار الاجنبي المباشر في العالم هي التي تدخلت بضوابط علي تدفقات الاموال الداخلة والخارجة.
ثالثا: فإن استراتيجيتنا لم تحقق التوازن السليم بين الدولة والسوق وهو التوازن الذي يؤدي الي جودة النمو, فالأسواق هي وسيلة وليست هدفا, حيث أن الهدف الاساسي هو تحقيق مستويات عالية من المعيشة للمواطنين, وعليه فالمسئولية تقع علي عاتق الحكومة للعمل في ساحة الاقتصاد لتمكين التشغيل الكامل للقوي العاملة من خلال المشروعات العامة كثيفة العمالة, فالإسواق وحدها غير قادرة علي ذلك وبل لعل أهم إخفاق للسوق في أدبيات الاقتصاد يتعلق بجزئية التشغيل الكامل, ولا يمكن النظر الي البطالة علي كونها مجرد نسب أو ارقام احصائية لاننا بهذه الطريقة ننزع الجانب الانساني الخاص بحق المواطن في العمل والامل, وبالتالي فان القرار الاقتصادي للاختيار بين نسب للبطالة مقابل التضخم هو قرار سياسي لا يترك لتكنوقراط البنك المركزي وحدهم, وفي السويد علي سبيل المثال فان إتحاد العمال ممثل في مجلس ادارة البنك المركزي وأما في الولايات المتحدة فميثاق البنك المركزي الفيدرالي لا يكتفي فقط بدور البنك في تحقيق استقرار الاسعار وبل ايضا في تحفيز النمو والتشغيل بينما يركز قانون البنك المركزي عندنا علي استقرار الاسعار فقط أي تحقيق نسبة منخفضة من التضخم دون الاشارة الي نسبة منخفضة من البطالة!
إن تحديات المرحلة تتطلب رؤية إقتصادية بديلة تؤسس علي حقيقة أوضاعنا وتأخذ العبرة من تجارب الآخرين ودروس السنوات الماضية, وتتبني أجندة للعدالة الاجتماعية تتمحور حول, الفرص المتكافئة للنشء في التعليم الجيد, وفرصة عمل لكل مواطن من خلال سياسات ماكرواقتصادية للتشغيل الكامل وايضا لحماية العمل فالدول التي تتمتع بكفاءة عالية في اداء الاسواق مثل السويد هي التي لديها أفضل حماية للعاملين, كذلك إصلاح الحركة التعاونية وهي ركيزة مهمة لتوازن الاسواق ولتحقيق التكافؤ, ففي السويد مرة أخري علي سبيل المثال لاتقل كفاءة محال البقالة والجزارة التعاونية عن مثيلتها الخاصة, وتلعب التعاونيات الزراعية في كل انحاء العالم الدور الأهم في التمويل والتسويق, فتسويق المنتجات في اعتي الدول الرأسمالية وهي الولايات المتحدة تسيطر عليه التعاونيات.

– كيف يتحقق التغيير الثوري وماهي وسائل القضاء علي الاختلال في موازين القوي‏,‏ وكيفية إجراء التحول؟

 
* لن يتحقق التغيير الثوري دون الفهم الكلي لاسباب القهر وللاسف فقد اتبعت حكومات ما بعد الثورة نهج الاقتصاد اليميني لحكومتي عبيد ونظيف, معتبرة أنه الطريق الأفضل للأداء الاقتصادي, علما بأن إشكالية العيش والحرية والعدالة الاجتماعية تكمن في قلب مسار اليمين الاقتصادي المصري سواء كان تحت مظلة الليبرالية أو الإسلام السياسي, حيث الارتباط بين عدم المساواة وتكافؤ الفرص في الاقتصاد اليميني وبين الأمراض الاجتماعية التي تصيب المجتمعات مثل الفجوة الكبيرة بين الثراء والفقر والنسب المرتفعة من البطالة والأمية والجرائم وإدمان المخدرات, وهذا ما وضح للعالم بعد الأزمة المالية الكبري عام2008, وهي الأزمة التي أودت بمستوي معيشة الطبقات الوسطي في أمريكا وأوروبا, والتي خلفت مآسي إنسانية لعل أبرز مشاهدها حاليا البطالة بين الشباب والتي ارتفعت إلي50% في كل من إسبانيا واليونان, و35% في البرتغال, و32% في إيطاليا وأيرلندا!
علي الدولة المصرية الجديدة أن تؤسس اقتصادا للتضامن يبني علي أسس الديمقراطية الاجتماعية والمؤشرات التي تتوجه لكل أصحاب المصلحة في الوطن وتساعد علي قياس الأهداف المرجوة في النمو والتشغيل هي نقطة البداية لتقييم أداء الاقتصاد الجديد, فالمؤشر التقليدي للناتج الإجمالي مثلا غير كاف لقياس النمو الحميد لأسباب عدة, فهو لا يفرق بين الدخل ورأس المال, معتبرا استهلاك الموارد الطبيعية الناضبة نموا, وعليه مطلوب مؤشرات إضافية لقياس عوائد استخدام مدخلات الاقتصاد- بما في ذلك الموارد الطبيعية- علي مستوي معيشة المواطن في الحاضر والمستقبل, وكذلك مؤشرات لنسب الأجور داخل المؤسسات ولحصة العمل في الدخل القومي ولنصيب الفئة العليا من المجتمع من الدخل, بالإضافة إلي ثلاثة متوسطات للتضخم طبقا لشرائح المجتمع العليا والوسطي ومحدودي الدخل- وعدم الاكتفاء بالمؤشر المتوسط العام الواحد والذي يصلح جيدا لمجتمعات ذات طبقة وسطي عريضة, وفي السياق نفسه تتصاعد نسبة الضريبة علي الدخل مع كل منزلة عشرية-أي عشرة آلاف ثم مائة ألف ثم مليون..الخ-فالمساواة وتكافؤ الفرص هما عنصران أساسيان للعدالة الاجتماعية سواء كان ذلك في توزيع الدخل أو اقتناء الثروة. والعلاقة وثيقة بين الديمقراطية الصناعية والديمقراطية الاجتماعية, ولم تكن الاحتجاجات العمالية والاعتصامات والاحتجاجات الفئوية إلا نتيجة لغياب هذا الرباط, فالديمقراطية الصناعية تعني تقنينا لتفاوض جماعي قوي ومجالس للعمل ومشاركة العاملين في القرارات التي تمسهم وتمكينهم والارتقاء بمستوي مهاراتهم وقدراتهم, وتعني تأمين العمل وإعادة الاعتبار للعمل اليدوي وقيمته الاجتماعية, وتوفير مزايا للأم العاملة, ولعل تجارب ألمانيا والدول الاسكندنافية لخير دليل, فلقد أثبتت أنه لا يوجد تعارض بين مؤسسات ونقابات قوية تعبر عن صوت القوي العاملة وبين الأداء الاقتصادي المتميز, وأن ظروف العمل في مصر تتطلب تحركا سريعا لإعطاء المواطنين صوتا مؤسسيا مسموعا في أماكن العمل لإرساء نموذج متطور يضمن النمو وفرص الكسب والعلو لطرفي العملية الإنتاجية

– ماذا عن التشغيل وازمة الاسكان ايضا ؟

 * التشغيل هو في جوهر ثلاثية الثورة, وحيث إن الإسكان يشكل أزمة حقيقية للشباب فان مشروعا قوميا لبناء وحدات تمليك بالجهود الذاتية سيتطلب جيشا من العاملين, علاوة علي تحفيزه لصناعة التشييد والبناء وما وراءها من صناعات مغذية.. ولكن علينا ان ندرك ان الاسكان الشعبي في مختلف دول العالم لايمكن ان يقوم به القطاع الخاص لانه يبالغ بدوره في الاسعار والارباح بينما هذا دور اصيل للدولة ينبغي ان تقوم شركات تابعة للدولة او الجيش ببناء وحدات الاسكان الشعبي في مختلف المحافظات وليكن مشروع قومي ضخم يستوعب مئات الالاف من فرص العمل ..  كما أن استراتيجية التشغيل السريع يمكن أن تتضمن مشروعات لصيانة البيئة في المحافظات والمدن والعشوائيات وأخري لإصلاح الطرق وتطهير المصارف وترميم المنشآت في القري بما يوفر فرص العمل للآلاف دون الحاجة إلي تدريب مسبق طويل.
وسلطة الحكومة المركزية لتحقيق العدالة يجب أن تمتزج بدور أكبر للحكم المحلي في التمويل والإنفاق, بحيث تتمتع المجالس المحلية والأجهزة التنفيذية بحق الاقتراض لمشروعات استثمارية وخدمية ذات جدوي اقتصادية, وتقوم بالسداد من عوائدها المستقبلية مما يخفف العبء علي الموازنة العامة ويولد فرص عمل جديدة ويحقق التنمية المحلية, وتمثل المؤسسات المحلية(community-basedinstitutions) ـ مثل التعاونيات المالية والبنوك المحلية ورأس المال المخاطر المحلي مسارا ناجحا- طبقا لتجارب اللامركزية الاقتصادية في العالم- لبناء اقتصاد للمحليات علي أسس الكفاءة والمساواة والاستدامة والمحاسبية والتضامن والديمقراطية.
ويتطلب اقتصاد الثورة إصلاح وتنظيم قطاع الأسواق المالية لمواجهة المضاربة ولضمان الشفافية والمساءلة, وإلغاء الحوافز التي تؤدي إلي انحراف مسار التنمية, مثل إعفاء أرباح الأسهم في البورصة من الضرائب, ووضع ضوابط علي عمليات الاندماج والاستحواذ لمنع الاحتكار ولتفادي سيطرة الخارج علي الاقتصاد الوطني. وعلي السياسة الاقتصادية تحديد قواعد الاستثمار الذي لا يضر بالبيئة ويتفق مع معايير العمل الدولية.

– ماهي سبل علاج موازنة الدولة التي لم تعد تحتمل عجزا جديدا يضاف الي العجز المتراكم من سنوات ؟

* بتحليل مبسط لجانب النفقات في الموازنة نجد أن قرابة ربع منها يذهب لأجور العاملين بالدولة وربع للدعم وربع آخر لسداد فوائد وأقساط الدين الحكومي, بينما يتوجه الربع الأخير فقط للخدمات وللاستثمارالعام مما يبين عدم قدرة الموازنة علي توفير حقوق الرفاهة المطلوبة للمواطنين, وبينما تلتهم أجور العاملين الموازنة فان مرتبات قرابة ستة ملايين مواطن يعملون في الجهاز الاداري للدولة لاتكفي لسد ضرورات معيشتهم, ومن هنا فان الاولوية في علاج عجز الموازنة, تتطلب حل معضلة النسبة المرتفعة للاجور في الموازنة وفي نفس الوقت الارتقاء بالمستوي المادي للعاملين بالدولة, ولاسبيل الي ذلك الا في اعادة هيكلة الجهاز الاداري للدولة وفصل موازنات المحافظات عن الموازنة الرئيسية, وتحويل الوحدات الحكومية التابعة للمحليات الي كيانات إدارية مستقلة تعتمد علي مواردها الذاتية.

– هل تستطيع المحليات تمويل نفسها ذاتيا ؟

*  بالاضافة الي ما يقدم لها من موازنة الدولة علي شكل اعانات لسد العجز وذلك لمواجهة أعباء الدعم الذي تحدده الدولة للمواطن في التعليم والصحة, أي ان الدعم سيتوافرمن خلال اللامركزية بشكل أفضل كما ونوعا مما يقدمه النظام المركزي ومن هنا لايكون الحديث عن الغاء أو تخفيض الدعم في الصحة والتعليم والغذاء, ولكن توفير آلية جديدة يتحقق من خلالها توفيره للمواطن( مثل المراجعة الدستورية لنظام الحكم المحلي والموازنة في فرنسا في17 مارس2003) وكما ان فصل المحليات والتي يعمل بها نصف العاملين بالجهاز الاداري سيسمح بالارتقاء بأحوالهم ورفع هذا العبء من الموازنة الرئيسية, ولهذا الغرض فان الادارة المحلية في حاجة لموازنة مواردها الذاتية, الي تخويل المجالس المحلية حق التشريع المحلي و حق التمويل المحلي في فرض رسوم وضرائب محلية ينظمها القانون.وهكذا فان بند الدعم الاساسي من جانب والارتقاء بمستوي أجور العاملين بالدولة من جانب آخر يمكن تحقيقهما من خلال برنامج للاصلاح الاداري يصمم خصيصا لتحقيق هذين الهدفين.

– ماذا عن الدعم ؟

* واما بالنسبة لدعم الطاقة فيمكن مد المدة التي تستهدف تخفيضه لـ39%  الي يونيو2014 نتيجة الظروف التي يمر بها الاقتصاد المصري مع مراعاة الترشيد في كل المجالات واعادة نظام التوقيت الصيفي ورفع الدعم جزئيا عن البنزين90 و92 مع الابقاء علي أسعار السولار والمازوت والبنزين80 لتأثيرهم علي الاسعار وعلي محدودي الدخل وكذلك امكانية تطبيق مرحلة قادمة ضريبة كربون علي كل طن وقود تقليدي تستخدم في تمويل تكنولوجيات الطاقة المتجددة من رياح وشمس وخلايا وقود هيدروجينية, ويلزم التنويه بأن مستقبل التنمية وتنافسية مصر علي المستوي الدولي يعتمدان علي بلورة إستراتيجية للطاقة لبناء دولة مع بعد مشتقات الكربون وتحديد نصيب التكنولوجيات الجديدة لتوليد الطاقة في كعكة الاقتصاد المصري.

– اين الضرائب في منظومة مواجهة عجز موازنة الدولة ؟

* تمثل الضرائب في كل أنحاء العالم المورد الأساسي للخزينة العامة, وعلينا قبل الشروع في تحديد هيكل الايراد الضريبي دراسة نصيب الضرائب الذي تتحمله كل فئة إجتماعية من الاجمالي الكلي وتحديد نسبة للحصيلة الكلية كحد أدني من الناتج الاجمالي(49% في السويد و44% في فرنسا و42% في ايطاليا و36% في المانيا علي سبيل المثال) وانشاء صندوق مالي للطوارئ للتعامل مع مصروفات غير متوقعة مثل ارتفاع سعر القمح أو السيول.. الخ, ولايمكن التعويل في المرحلة الاولي من اية اصلاحات ضريبية علي تحول انشطة الاقتصاد الموازي الي الشكل الرسمي ولكن إصلاح الادارة الضريبية وعدم هدر المستندات وقبول أنواع عديدة من المصروفات سيؤدي الي توسيع القاعدة الضريبية وتحول المنشآت المتعاملة مع الممول الرئيسي الي الاقتصاد الرسمي, ومواجهة التهرب الضريبي ضرورة لتنمية موارد الدولة, ويمكن إتباع نظام مطبق في الهند يقوم البائع بمقتضاه بتسجيل الرقم القومي للمشتري علي كل فاتورة شراء تزيد علي مبلغ معين(1000 جم مثلا) وتضاف هذه المشتريات علي القائمة السنوية للمشتري من خلال الشبكة الالكترونية للمنظومة الضريبية بحيث يتم مضاهاتها بالاقرارالسنوي للمشتري والتحقق من مصدر إنفاقه مقارنة بدخله وكما ان مثل هذا النظام سيساهم في محاربة الفساد.

– كيف تحقق الدولة مستويات مرتفعة من النمو ومنخفضة من الفقر؟

* ردا علي هذا التساؤل قام نوبل الاقتصاد مايكل سبنس برصد تجارب13 دولة من بين180 دولة نامية شملتها دراسته- حققت نموا عاليا للناتج الاجمالي بمتوسط7% سنويا ولمدة25 سنة متصلة واستخدمها كمقياس لتحليل عناصر استدامة النمو المرتفع في الدول النامية, وبناء عليه يمكن استخلاص المعطيات الآتية:
أولا, النمو في تلك الدول تحقق من خلال تطبيقات العلم والتكنولوجيا في الانتاج واللوجستيات والاتصالات وفي تطوير الادارة والمنظمات والحصول علي المعرفة الجديدة المتوافرة في الدول المتقدمة. والاعتماد علي رأس المال البشري في توليد الثروة وتغيير هيكلي في النظم السياسية والاقتصادية يتيح الانتشار الاستراتيجي للأصول البشرية والمعرفية. وذلك تعدي معدلات الاستثمار نسبة25% سنويا من الناتج الاجمالي, وبينما يمثل الاستثمار الخاص في الدول الـ13 المحرك الأساسي للنمو وتوفير فرص عمل جديدة فأن حكومات هذه الدول كان لها دور جوهري في الاستثمار في قطاعات ذات عائد اجتماعي لايتجه اليها القطاع الخاص واهمها التعليم والبنية الاساسية المساندة للنمو( الاستثمار العام في حدود5 الي7% سنويا من الناتج الاجمالي).
ثانيا, تتحقق الاستثمارت المرتفعة سواء من القطاعين الخاص أو العام من خلال الادخار الوطني بمرادفيه الحكومي والخاص. فلقد اثبتت تجارب التنمية ان تمويل الاستثمار محليا من خلال مدخرات وطنية هو الأفضل والأأمن, ولاتقبل حجة مستوي الفقر, فالادخار في الهند علي سبيل المثال يزيد عن25% من الناتج الاجمالي وفي الصين عن35%! ومن الضروري وجود دور فعال للحكومة في تخفيف الاجراءات البيروقراطية المتعلقة بالتصاريح وفي التعريفة الجمركية المنتقاة وفي الاعفاءات الضريبية المبررة والمؤقتة وفي التعامل الضريبي مع الممولين وفي ضوابط قانون العمل لصالح طرفي العملية الانتاجية وفي إرساء قواعد المنافسة العادلة وفي التوازن والتفاعل الصحي بين العام والخاص.
ثالثا, ادارة العملة الوطنية عبر استخدام ضوابط علي تدفقات الأموال الخارجة والداخلة والتدخل في أسواق العملة للحد من مخاطر تذبذب سعر الصرف وإعطاء أهمية كبري للاحتياطي النقدي بهدف إحداث التوازن المطلوب في أسعار الصرف, علاوة علي احتفاظ الدولة بنصيب مهم في البنوك والمؤسسات المالية. كما أن الدخل والثروة تحددهما مستويات الإنتاجية الكلية, والمزايا النسبية ليست ثابتة, فالصادرات مثلا التي تعتمد في فترة بداية النمو علي رخص وكثافة العمالة تصبح غير قادرة علي المنافسة عندما تزداد الاجور كثمرة للنمو بما يحتم تغييرا هيكليا مستمرا في نوعية الصناعات والخدمات في كل مرحلة من مراحل النمو, فالصناعات التنافسية التي كانت يوما ما مصدرا للتوظيف الانتاجي تندثر جدواها مع الوقت ويجب ان تتبدل, وبالتالي فإنه لخطأ استراتيجي فادح محاولة حماية العاملين من خلال حماية الوظائف في المؤسسات فاقدة التنافسية, فحماية العاملين الحقيقية تتأتي من خلال مساندتهم أثناء فترات البطالة وإعادة تدريبهم وتأهيلهم للوظائف الجديدة وتقديم الدعم الكامل لهم( الخدمات الاساسية الصحية والتعليمية).
رابعا, ديناميكية النمو تتحقق مع الانفتاح علي الاقتصاد الدولي, ولكن اذا كان الانفتاح للمنافسة الدولية سيتسبب في القضاء علي الوظائف بمعدل أسرع مما يوفرها, أي أن المحصلة سلبية بالنسبة للوظائف وفرص العمل فان استراتيجية النمو ستفقد التأييد وتحدث مشكلة سياسية وعليه يجب ادارة وتنظيم عملية الانفتاح بشكل يرجح كفة إيجاد الوظائف.

_ ولكن قد يقول البعض ان مصر تستوجب نموذج مختلف ؟

*  تبقي زاويتان تفرضان نفسيهما علي نمط النمو الذي نريده لمصر, الاولي تتعلق بترشيد الطاقة والمياه حيث إن معدلات عالية من النمو ستتطلب استخدمات أعلي في هذة العناصر, ولقد بدأت بالفعل معظم الاقتصادات الناشئة في الغاء الدعم علي الطاقة وتصبح نتيجة لذلك البدائل الأخري لمصادر الطاقة اكثر جدوي اقتصاديا وعلي الحكومة ان تضع الخطط والسياسات للاسراع في تحقيق هذا الهدف والاقلال من انبعاثات الكربون التي تتواكب مع تنمية مستدامة تحافظ علي البيئة والموارد الطبيعية التي هي ملك الاجيال القادمة, أما الزاوية الثانية فتتعلق بتوسيع منافع النمو فلايمكن ترك مواطنيون خارج دائرة فرص النمو وكما يلزم ان تكون هناك حدود للفجوة بين الدخول وآليات تسمح بإعادة عادلة لتوزيع الثروة الناجمة عن النمو.
إن الوصول إلي هدف النمو العالي والمستدام من حيث موقعنا الآن ليس بالأمر السهل, فالنخبة السياسية والفكرية ونخبة الأعمال فقدت مصداقيتها لدي الناس, وترك فقدان الثقة في النخب فراغا يمتليء حاليا بالمواجهات السياسية التي تفتقر الأهداف المشتركة, وعليه فإن بناء أجندة وطنية براجماتية بمدخل توافقي سيأخذ بعض الوقت .

– ماهو النظام الامثل بالنسبة ..لاسيما واننا ننتهج الاقتصاد الحر بينما العالم حولنا نجد فيه ان الدولة تمتلك شركات ومؤسسات ؟

* شهد العقد الأول في القرن الـ‏21‏ عودة لتنامي الثروة العامة والاستثمار العام والملكية العامة ولسيطرة الحكومات علي القطاعات الاقتصادية الحيوية بهدف تحقيق استدامة مسار التنمية‏.‏.فشركات البترول المملوكة لدول العالم علي سبيل المثال ـ تتحكم حاليا في ثلاثة أرباع احتياطي العالم من النفط الخام, كما تدفع الحكومات الشركات العامة والخاصة التي ترعاها لدخول الأسواق العالمية في مجالات الطيران والنقل البحري وتوليد الطاقة والاتصالات والمعادن والبتروكيماويات وغيرها, وخلال الفترة ما بين2004 و2008 أنشئت117 شركة كبري مملوكة للدولة في مجموعة البريك( البرازيل/ روسيا/ الهند/ الصين) بينما تمتلك الصين اكبر ثلاثة بنوك علي مستوي العالم, كما قامت الدول بتأسيس صناديق الثروة السيادية التي أصبحت مصدرا مهما لتوفير رأس المال في السوق العالمي, ولقد أدت الأزمة المالية الكبري لعام2008 إلي التدخل الحكومي علي نطاق واسع في الاقتصاد, فقامت أمريكا وبريطانيا واليابان بضخ أموال طائلة من الخزانة العامة لمساندة القطاعات المتعثرة وأحيت الحكومة الفرنسية تقليدا تواري منذ عهد الرئيس ميتران في توجيه الاقتصاد, ولعل أهم نتائج هذه الأزمة الطاحنة اعتراف أدبيات التنمية بفشل الرأسمالية غير المقيدة.

– قد يري البعض ان راسمالية الدولة او امتلاك الدولة لشركات ومؤسسات فيه ظلم للقطاع الخاص الذي لن يقوي علي منافسة الدولة ؟

* رأسمالية الدولة ليست عودة للتخطيط المركزي بل هي نوع من الهندسة الادارية للرأسمالية تشكلها كل حكومة طبقا للخصائص والمعطيات المحلية, وهناك ثلاث طرق طبقت فيها رأسمالية الدولة في العالم الحر علي امتداد التاريخ الحديث ـ استخدمت الكلمة لأول مرة في المانيا عام1896 عند تأسيس حركة الديمقراطية الاجتماعية ـ الطريق الاول تحتفظ الدولة في اقتصاد السوق بالصناعات الحيوية والثاني تسيطر فيه الحكومة علي السوق من خلال حشد وتخصيص الموارد في زمن الحروب والازمات والثالث تسمح فيه الحكومة لبعض الشركات الخاصة باحتكار صناعة بعينها.ورأسمالية الدولة ليست ايديولوجية سياسية متماسكة الأركان ولايوجد نموذج نمطي وحيد لها ـ النموذج المطبق في دول الخليج مثلا يختلف عن النموذج الايراني المجاور ـ وهي لا تمثل تراجعا عن اقتصاد السوق إلي اقتصاد الأوامر الذي ثبت فشله, كما أنها لاتعتمد علي طبيعة النظام السياسي للدولة.
وأما مظاهر رأسمالية الدولة حاليا فتتمثل في الشركات الوطنية للطاقة( البترول والغاز) باعتبارها أدوات سياسية استراتيجية, وعلي سبيل المثال فان دستور المكسيك ينص علي امتلاك الدولة لكل موارد الطاقة, وايضا الشركات العامة المملوكة للدولة والشركات الوطنية الخاصة التي تعتمد علي مساندة الحكومة لتحقيق وضع مميز في الاقتصاد المحلي وفي اسواق التصدير وفي الحصول علي عقود في الدول الاخري, وتأتي الصناديق السيادية ـ كما أسلفنا ـ كأداة مهمة لتمويل الشركات العامة والخاصة دون تحميل عبء هذا التمويل علي الموازنة العامة, وهذه الصناديق المملوكة والمدارة من الدول عبارة عن أوعية للفوائض المالية تستثمر استراتيجيا في الداخل والخارج, وسوف يتزايد الدور الذي تلعبه في الاقتصاد الدولي, حيث يقدر صندوق النقد محفظة هذه الصناديق بقرابة عشرة تريليونات دولار في.2013
ويبقي التحدي امام السياسة المصرية لتأخذ في الاعتبار هذا التحول في النهج الاقتصادي وذلك من خلال تحديد درجة تدخل الدولة في السوق في ظل ظروف الازمة الراهنة, فحكومة ساركوزي مثلا وفرت في أثناء الازمة المالية قروضا بشروط سخية للشركات الوطنية بهدف حماية الوظائف في فرنسا, ومن خلال تحديد ايضا درجة الحمائية المطلوبة للمنتجات والخدمات المصرية في برنامج التحفيز المقترح دون الاخلال باتفاقيات التجارة, فعلي سبيل المثال أدرجت ادارة اوباما بندا في حزمة التحفيز الاقتصادي لعام2009 ينص علي شراء المنتج الامريكي, وأخيرا تحقيق فك الارتباط أي تقليل اعتماد النمو علي أسواق خارجية بعينها استيرادا تصديرا, ولقد أصيبت الصين باضرار بالغة في الأزمة العالمية نتيجة اعتمادها علي السوق الأمريكية.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى