الرأي

مبكرا، وقبل توليه سلطة البلاد، أدرك المجلس الأعلى للقوات المسلحة عجزه عن الوقوف أمام المد الثوري المتوهج في كل مصر،




مبكرا، وقبل توليه سلطة البلاد، أدرك المجلس الأعلى للقوات المسلحة عجزه عن الوقوف أمام المد الثوري المتوهج في كل مصر، بالأسلحة والدبابات، فغير الخطة. واعتمد خطة جهنمية تذهب بهذا السيل الثوري إلى دروب وأزقة ينتهي معها، ويصل في النهاية إلى لا شيئ. لكن كيف حدث ذلك؟

لجنة تعديل الدستور كانت العصا التي شق بها المجلس صف الثوار، فجاء بالمستشار البشري على رأسها، وهو رجل مخلص وطني محترف في مهنته، فقبل به الجميع مع بعض امتعاض. ثم جاء بصبحي صالح، عضوا في اللجنة، فبدأت الغضاضة، لماذا اختير صالح وهو فقط محترف لمهنة المحاماة، وعضو مجلس شعب سابق عن جماعة الإخوان المسلمين، لكن يمكن أن يكون أمثاله كثيرون، محسوبون على تيارات أخرى ولم يختاروا… حينها قلت كان ينبغي على صالح والإخوان أن تعتذر لخطورة ذلك، لكن لم يحدث.

جاءت رؤية اللجنة بتعديل الدستور وإقامة أخر، وفق قاعدة مجلس الشعب، وهو مالم يعجب التيارات الأخرى غير الإسلامية التي ترى في بناء الدستور مبدأ التوافق لا الأغلبية، فلم ينتبه الإسلاميون لذلك وذهبوا إلى صناديق الاستفتاء، فاعتقدوا أن نعم تعني الرضا عن كل ما يفعلونه، وهذا كان خطأ أيضا، وكان الواجب في هذه اللحظة الجلوس مع القوى الوطنية الثورية في الميدان لتحديد مسار الطريق بالتوافق لا بالاستفتاء، لا سيما وأن الرافضين له كانت لهم وجاهة في الطرح.

ضمن المجلس العسكري حدوث الانشقاق في الجماعة الوطنية، فتفرقوا شيعا يشتمون بعضهم بعضا، ويشعلون المعارك الفضائية والصحفية بينهم، حتى جعلت كل منهما ضائق بالأخر. الإسلاميون معهم الشارع، لكن الباقين معهم المطالب الثورية الملحة ولا يسمع لها أحد.

اقتنع الإسلاميون أن الانتخابات البرلمانية -وفقط- هي بوابة استكمال مطالب الثورة، وكان هذا خطأ، فتركوا الميدان، في أول إبريل، ومليونيات أخرى، قامت لمطالب ثورية مثل وقف محاكمة المدنيين عسكريا، وإصدار قانون الغدر، وتحديد موعد زمني لتسليم السلطة لمدنيين، والمطالبة بعودة الأمن المفقود، فزادت الهوة.

قبل التيار الإسلامي الفتات الذي أعطاه إياه المجلس العسكري، وهو يدرك أنه فتات شكلي لن يغير في شكل ولا جسد النظام القائم، وتمكن بعد ذلك

-من استغلال حسن النية- لدى الإسلاميين لإبرازهم كانتهازيين متشددين غير ديمقراطيين، فأيقن الأخرون أن الانتخابات تعني النهاية بالنسبة لهم.

 

عند هذه النقطة التقت مصالح المجلس العسكري مع مصالح الباقين جميعا دون الإسلاميين، فألقى بقنبلة الوثيقة، لتكون عود الثقاب الذي فجر المعبد على من فيه.. ويقول للجميع بصراحة ((إما أن تقبلوا ما أعطيكم إياه أو لن تأخذوا شيئا)).

بالتوازي مع ذلك عمل المجلس خلال تسعة أشهر كل ما في وسعه ليكفر الناس بالثورة، ويلعنوها بالليل والنهار، عبر الأزمات المتتالية المتكررة، السمجة، وجاء بحكومة هشة ضعيفة، لم تقو حتى تقديم استقالتها حين أدركت فقدانها لصلاحيتها، حتى شعرنا بأن رئيسها عصام شرف كما لو أنه مجند يقضي فترة الخدمة ولا يقدر على الاستقالة إلا بموافقة المشير.

 

الآن وقعت الثورة في مأزق، فثمة صعوبة في القدرة على لملمة نفسها والوقوف ثانية في الميدان، وإن حدثت اللملمة، ثمة صعوبة مماثلة في التوحد على مطالب محددة، والقدرة على تحقيق هذه الأمرين فقط، هما الكفيلان باستعادة مسار الثورة، إن أردنا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى