الرأي
مثلما استغربت للمليونيات المتعاقبة لإسقاط الإخوان وحزب الحرية والعدالة والتي لم يتجاوز عدد المشاركين فيها في أفضل الأحوال بضعة ألاف
مثلما استغربت للمليونيات المتعاقبة لإسقاط الإخوان وحزب الحرية والعدالة والتي لم يتجاوز عدد المشاركين فيها في أفضل الأحوال بضعة ألاف ، تلقيت بغضب شديد تصريحات القيادي الإخواني عصام العريان ورد فعله على تقديم حزب الدستور لأوراق تأسيسه للجنة الأحزاب بعدما استطاع أن يوفر الخمسة ألاف توكيل اللازمة …
العريان قال معلقا على ظهور حزب الدكتور محمد البرادعي للنور إنه ستظهر أحزاب وتختفي أخرى ويبقى الحرية والعدالة .. تصريحات اعتبرها البعض نوعا من الغرور والاستعلاء ، واعتبرها اخرون أنها تنم عن قلق إخواني بالغ من بزوغ تيار قد يكون مختلفا إلى حد كبير عن التيارات الموجودة على الساحة ، فالبرادعي لم يشارك في العملية السياسية ورفض خوض الانتخابات الرئاسية ، كما أنه دعا من قبل لمقاطعة الانتخابات ، فهو يرى أنها تجرى على عكس مصلحة مصر وأن بها كثيرا من التفاهمات وتوزيع المكاسب فيما بين الأحزاب والقوى السياسية بعيدا عن مصلحة الشعب وأهداف الثورة ..
ومع فوز الدكتور محمد مرسي في الانتخابات وتوليه منصبه ، انتاب الحزن الكثيرين مثلما ملأت الفرحة قلوب الكثيرين .. وأصبحنا نرى ظاهرة غريبة على الشارع المصري ، وهي ظاهرة التعصب والانقسام ..
ولو دافعت عن موقف أو قرار لرئيس الجمهورية أو رئيس وزرائه فأنت من الإخوان ، ولو هاجمته أو انتقدته أو حتى لم تعبر عن فرحتك وسعادتك به فأنت من الفلول وأنصار ومحبي النظام السابق ….
وفي نظر الإخوان وحلفائهم ، مرسي جيد على طول الخط مهما اقترض أو استدان ولم يفكر في حلول داخلية بديلة ، ومهما تقاعس في إعادة الحق لأهله ، ومهما جامل وتغاضى عن محاسبة شيوخ الفضائيات الذين ينهشون في أعراض المخالفين وسمعتهم ، ومهما أخطأ ولم يكن شفافا في قراراته … وفي نظر الإخوان وحلفائهم فإن الليبراليين منحلون وبعيدون كل البعد عن الفضيلة وهم يسعون لدولة يملؤها الفوضى ، وأنهم ممولون من النظام السابق ورجال أعماله ، وسيفشلون مهما نظموا من تظاهرات احتجاجية لأنهم لن يستطيعوا أن يتخطوا حاجز المليون الذي نجح التيار الإسلامي في تحقيقه أكثر من مرة ليدخل به موسوعة جينيس للأرقام القياسية في الحشد ..
وفي نظر الطرف الآخر ، فإن أحمد شفيق هو الوجه الآخر للحق ، وهو الفائز في الانتخابات لولا القضاء المسيس والتآمر المشبوه من جانب المجلس العسكري والإخوان ، وهو الشريف العفيف الذي لم يضع مليما في جيبه ، وأن بلاغات عصام سلطان كيدية حتى وإن تحولت إلى قضايا وأثبتت التحقيقات فيها أن هناك شبهة فساد اقترفت عندما حصل جمال وعلاء مبارك على 40 ألف متر من أراضي البحيرات المرة التي كانت مخصصة للطيارين دون وجه حق .. وفي نظر الطرف الآخر من المؤكد أن هناك مؤامرة يحيكها الإخوان للإيقاع بمصر وتفكيكها ثم بيعها أجزاء لقطر وأمريكا وإسرائيل …
بالطبع هذه الثقافة لا تمت للديمقراطية بصلة … فسواء كان الرئيس محمد مرسي أو أحمد شفيق ، وسواء حكم الإخوان أو الليبراليون ، وسواء سلم المجلس العسكري السلطة فعليا أو لم يسلمها .. بل يمكن أن تسميها كارثة بكل ما تعنيه الكلمة من معاني.
هذه التركيبة للشارع المصري بشكلها الحالي لا يمكن أن تحقق التنمية ولا أن تبني مصر الحديثة التي يتطلع إليها الشعب بكافة فئاته .. فلا يمكن للفلول أن يتعاونوا مع مرسي أو قنديل لإنجاح التجربة ، لأكثر من سبب ، أهمهما أن نجاح التجربة فيه اعتراف ضمني بأن النظام السابق كان فاسدا بكامل امتداداته بما فيها شفيق نفسه ، ثانيها أن المستفيد من نجاح التجربة سيكون الإخوان وبالطبع سيزداد نفوذهم أضعاف أضعاف ما كانوا عليه …
وحتى لو سقط الإخوان بفعل أحكام قضائية أو فوضى مدبرة ، فلن يستطع الطرف الآخر أن يدير مصر بمفرده ، لأن العديد من قياداته لا يتمتعون بقبول شعبي كبير فضلا عن ارتباط أسمائهم بالنظام القديم …
الطرف الثالث إذا هو أمل مصر – بالطبع ليس المقصود الطرف الثالث المتهم دوما في أحداث القتل والتخريب – .. يمكن أن تسميهم الفئة الصامتة التي لم تنخرط في أي من الطرفين الفلول والإخوان .. قد يستغرق الأمر سنين طوال ، حتى ينجح الطرف الثالث في الدخول بفاعلية للحلبة ويكسر حاجز الخمسين بالمئة إخوان وخمسين فلول ..


