وضع القاضي الجليل خالد محجوب أول إجابة تاريخية موثقة لأحد أهم الأسئلة التي واجهت مصر في أحداث 28 يناير 2011،
وضع القاضي الجليل خالد محجوب أول إجابة تاريخية موثقة لأحد أهم الأسئلة التي واجهت مصر في أحداث 28 يناير 2011، قال بوضوح شديد إن سجناء الإخوان تعاونوا وخططوا مع تنظيمات غير مصرية لاقتحام السجون وإتمام عملية الهروب التي أدت – مع غيرها – إلى فوضى مهولة أربكت شعب مصر كله. صباح اليوم كتبت على موقع «تويتر» تغريدة أقول فيها إنني سوف أطلق اسم خالد محجوب على اسم شارع في قلبي.. في الحقيقة يجب أن يكون له شارع باسمه في نفوسنا جميعا.
نشأت الفوضى خلال أحداث يناير ، لأسباب مختلفة، كان في صدارتها: حرق الأقسام ، واقتحام السجون، وقتل المتظاهرين، وقبل كل ذلك اقتحام الحدود واختطاف 3 ضباط وبعض الأفراد من الشرطة، وقد أسفر هذا عن حالة غير مسبوقة من الخوف المجتمعي العام، نتيجة لأن ذلك كان أحد أهم أسباب انهيار الشرطة التي لم تلتئم جراحها بعد عامين من الأحداث .. وأدى إلى إتاحة الفرصة من أجل أن يعبث العابثون ويوجهون الرغبة الجماهيرية العارمة في التغيير إلى ما يريدون.
إن إجابة خالد محجوب عن سؤال «وادي النطرون» تطرح علينا – هامشيا – تساؤلين اثنين :
– كيف كان يمكن أن تمضي المظاهرات العارمة المطالبة بالتغيير دون وجود عنصر الفوضى المصطنعة ؟
– هل عطلت هذه الفوضى المصطنعة قوى مجتمعية مؤثرة من أن تشارك بموقفها ورأيها في الأحداث، بينما كانت منشغلة في حماية ذاتها خشية هجوم الغرباء واللصوص ومن شايعهم؟
لكن الإجابة القضائية في جوهرها توجه اتهاما لا لبس فيه للرئيس «المنتخب» ، هو ومن كانوا معه، بشأن تعاونه مع جهات أجنبية «حركة حماس وحزب الله» ، لكي يتم تهريبه من السجن.. وهنا تسقط الحجج التي تقول أن السجين لم يكن قد قبض عليه في قضيه رسمية، أو أنه كان معتقلا من سلطة ظالمة، ويحق له الهرب كسجين سياسي.. ذلك أن السجين السياسي لا يكون متورطا – حسب نص الحكم – في عمل من هذا النوع.. أو كما قال المحامي أمير سالم «قضية تخابر».
شرعية الرئيس ، ومن خلفه شرعية الحكم الذي يستند إليه، تواجه مجددا تحديا أكثر من سافر، تحد عار، لا لبس فيه ، يُضاف إلى تحديات سياسية وقانونية وأخلاقية أخلت بشرعيته ، وأنهت أسطورة «الرئيس المنتخب» .. المطعون من قبل منافسه في انتخابه.
إن الجميع يتساءل: هل سوف تلتزم النيابة بقرار المحكمة التي طلبت التحقيق مع المتهمين استنادا إلى ما توصلت إليه؟ وفي قلب السؤال يقين بأن النائب العام يخضع لسلطة الرئيس وهو الذي عينه وهو الذي يصر على بقائه وهو الذي يواجه من يعارضون استمراره. إن طرح التساؤل في حد ذاته هو تشكيك في حيادية النيابة والدور المنوط بها توقعا، ولكن هذا لا ينفي أن إجراءً قانونيا صار مسلطا على رقبة الحكم وهو في الطريق إلى مظاهرات عارمة بدورها، تطلب سحب الثقة منه، وتقول له إنها لا ترغب في استمرار بقائه.. وفوق كل ذلك فإن هذا الحكم يضع لبنة مهمة في البناء القانوني لموقف معقد.. سواء استمر الحكم أو لم يستمر .
وبخلاف النتيجة الأولى لإجابة القاضي الجليل خالد محجوب عن سؤال وادي النطرون، فإن للإجابة نتائج أخرى عديدة.. أهمها على الإطلاق هي فتح باب الأسئلة التي ظن البعض أنها قد أغلقت بخصوص ما وصف بأنه «موقعة الجمل» .. وقتل المتظاهرين .. وحرق الأقسام .. على الرغم من أن المحاكم قد برأت عددا كبيرا من المتهمين في تلك القضايا، بينما تنظر قضية متهمًا فيها الرئيس السابق حسني مبارك.
ومن ثم فإن إجابة خالد محمود تضع عنصرا جوهريا لا خلاف عليه بشأن الدور الذي قامت به حركة حماس في أحداث مصر ، ليس في يوم 28 يناير فحسب ، بل ما تلى ذلك، وما يرتبط به بخصوص قتل الجنود المصريين على الحدود وقتل الضباط المتكرر واختطاف المجندين وإطلاق الصواريخ من الأراضي المصرية وغير ذلك من أمور تثير حولها علامات استفهام ويلاحق الرأي العام الحكم باتهامات لا تتوقف فيما يخصها.
لقد أعطت إجابة خالد محجوب عن سؤال وادي النطرون زخما للحراك الإجتماعي و السياسي الجاري في مصر الآن، بالصدفة الزمنية، ولكنها في الوقت ذاته أكدت أن الحقيقة لا تموت..وأن الجدل حول الحقيقة لا يمكن أن يساهم في إخفائها وإن طال الوقت .
لكن ظهور الحقيقة له آثار سياسية وإعلامية بدوره، ولا يتعلق الأمر هنا فقط بالإخوان ، وإنما بمن تورط في مساندتهم .. وروج لهم ..وشجع دورهم ..وأعتقد أنه بذلك يحقق أهداف ما ظن أنه «ثورة» .. وساهم – بحسن النية المفترض- في ترويج الأساطير حول الجماعة.. ثم تبين له الوجه الآخر في السنتين الماضيتين إلى أن لطمته إجابة خالد محجوب عن سؤال وادي النطرون.
في الأشهر الماضية – بعد إنتخاب مرسي – أدرك الناضجون أن هناك جوانب أخرى لما شاركوا فيه – بكل إخلاص وطني مفترض، ومن ثم فإن هذا الفريق كان أن تحرك قليلا أو كثيرا بعيدا عن «أساطير الإخوان» وبدأ التشكيك فيها بقدر ما.. كل حسب قدرته وشجاعته. لكن فريقا آخر ليست لديه القدرة الكافية حتى اللحظة على أن يواجه ذاته بالحقائق المتوالية.. ومن ثم يجب أن نفهم أبعاد الارتباك الذي يعاني منه.. ونتفهم معاناته ونعينه على أن يجتاز تلك المسافة الصعبة والوعرة نحو مواجهة الذات.
ليس مطلوبا من أحد أن يقول إن مبارك كان «زعيما تاريخيا» ، وليس مطلوبا أن ندفع المخالفين سياسيا إلى أن يقولوا إنه لم تكن هناك مبررات لمظاهرات يوم 25 يناير، بالعكس كان لها ما يبررها.. وكانت رغبة أصيلة في التغيير والتحديث.. لكن عليهم في المقابل أن يدركوا أنه في المسافة من 25 يناير إلى 28 يناير كانت هناك ثلاثة أيام حدث فيها الكثير .. والكثير جدا أيضا.
رئيس تحرير روزاليوسف الاسبق
اعاد تأسيس جريدة روزاليوسف
مستشار جريدة الراي الكويتية
