تقول لغتنا فى معنى التمرد .. ان التمرد على الشيء هو اعتياده والتعود عليه اما التمرد على القوم فهو
تقول لغتنا فى معنى التمرد .. ان التمرد على الشيء هو اعتياده والتعود عليه اما التمرد على القوم فهو عصيانهم عصيا عنيدا بإصرار .. وتحت المعنى الثاني ولد فجرا جديدا في مصر اسمه " تمرد " .. صرخة هادئه لكنها تهز العالم ومن قبله ترعش من ظنوا انهم وكلاء الله على الارض وانهم ورثوا حكم مصر بمن عليها .
منذ اعلان حركة تمرد عن تجاوز عدد التوقيعات التي قامت بجمعها لسحب الثقة من الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية دستوريا مندوب الاخوان في قصر الرئاسة فعليا , واسئلة عدة تسيطر على الجميع وهي هل ستتمكن الحركة فعليا من سحب الثقة من الدكتور واجبار الجميع على اجراء انتخابات رئاسية مبكرة ؟ كيف سيكون رد الاخوان عند احتدام الوضع ؟ وماهو موقف الجيش في هذه اللحظة ؟ وكيف ستتعامل الولايات المتحدة مع هذا السيناريو ؟
مبدئيا قيمة " تمرد " ليست فى العدد الضخم الذي جمعت توقيعاته ولكن فى قدرتها فى احياء امل الخلاص وعودة الشباب مرة اخرى للمشهد السياسي بعد مايقرب من عام من تهميش السلطة لهم وسخط وغضب الشارع عليهم .. اي ان اطراف اللعبة لم تعد جيش واخوان ولكن اضيف لهم البعد الاصيل وهم الشباب الذين هم وحدهم قادرون على احداث التغيير في مصر وفي هذا الامر يمكن التأكيد على ان الحركة نجحت تماما من الناحية التكتيكية اما من الناحية الاستراتيجية فالامر سيتوقف على مدى استيعاب الشباب لدرس سرقة 25 يناير من اصحابها وهو مانتمنى انه يكون قد حدث .. فلطالما قلنا ان الاخوان سيركبون الثورة وانهم سيخلفون مبارك في حكم مصر وان المصريون لن يتحملوا جبرود الحكم الديني او بمعنى ادق الاستبداد بأسم الدين وكانت الردود وقتها تأتينا متشنجه عنيده دفع اصحابها ثمنها غاليا من ارواح رفقاء ثورتهم .. الانطباع الاول يقول اننا امام حركة منظمة لديها ايمان بما تفعل واصرار وتصميم على الوصول الى الهدف وهو ازاحة الدكتور مرسي بشكل شديد الرقي في سلميته واجبار الجميع على اجراء انتخابات رئاسية مبكرة .
هذا التصور ينقلنا مباشرة للسؤال الثاني وهو كيف سيكون رد الاخوان ؟ .. المطلع على تاريخ الاخوان تحت الارض قبل يناير 2011 والمتابع لنمط لهوهم السياسي فيما بعد استحواذهم على كل شيء يمكنه بسهوله قراءة رد الفعل الاخواني المنتظر بعيدا عن اوهام القوة التي يبثوها بين خلاياهم لكي يظل التنظيم متماسكا وان فى لحظة الحسم سيكون هناك " نفير " يبطش بالجميع واشياء من هذا القبيل الفارغ .. باختصار شديد الاخوان سيعملوا على عدة مستويات داخليا وخارجيا .. من الناحية الداخلية ستبدأ عملية تشويه حركة تمرد واتهامها بالعماله وتبعيتها للاجندات الخارجية المتأمره على الحكم الاسلامي وبروبجندا من هذا النوع وبالتوازي مع ذلك تخرج حركة مؤيدة للدكتور مرسي تعطي ايحاء للرأي العام العالمي بأن " للأخ " الرئيس اغلبية في الشارع .. وهذا في تقديري لن يؤتي ثمارة لان الاطراف الدولية الفاعلة في مصر لم تعد تتلقى معلوماتها من الاخبار وتدير مراكز ابحاثها لتوقع السيناريوهات القادمة بناء على تقارير الصحفيين .. ولكن اصبحت موجوده على الارض بأجهزتها وليس سرا ان مصر منذ 28 يناير 2011 هي مسرح مفتوح لكافة اجهزة المخابرات الاجنبية .. وهي كلمة لا انساها للواء سامح سيف اليزل وكيل جهاز المخابرات العامه المصرية الاسبق في حوار اجريته معه قبل شهر .. اما المستوى الثاني من التحرك الاخواني في معالجة كارثة " تمرد " هو محاولة استعادة وضعهم الاول كممسكين بخيوط كافة التيارات الاسلامية في مصر وخاصة التيار السلفي الذي قفز من مركبهم مبكرا وحشد فصائل السلفية الجهادية والجماعات الاسلامية تحت ايهام ان سقوط الاخوان يعني سقوطا لهم جميعا .. وهنا تأتى مهمة التيارات المدنية في مصر في بث رسائل طمأنه للتيارات الاسلامية الاخرى بأنهم لن يتحملوا وزر الاخوان الذي ارتكب في الحكم .. قد يلجأ الاخوان للعنف في المرحلة الوسطى من الصراع ولكنه سوف يكون عنف مستتر تحت ذريعة الدفاع عن النفس بمعنى انه ستظهر مسميات لحركات غريبة على الارض ستقوم بتخريب واعتداءات تحت اسم معاداة الاخوان لتشوية صورة سلمية " تمرد " وبالتالي سيقوم الاخوان بالرد وهذا الامر لن يستمر ايضا طويلا .. البعد الاخر هو الجيش ولن يراهن الاخوان على هذه الورقة نهائيا بعدما اعلنها صراحة رئيس الاركان الفريق صدقى صبحي في وجه الرئيس مرسي قائلا ان الشرعية " للشعب " ولكن قد تستخدم بعض الاساليب للي ذراع الجيش سواء باستدعاء ضغط خارجي وامريكي على وجه الخصوص بأن يكون الجيش خارج المشهد الصدامي بين الاخوان والشارع او بفتح جبهة مواجهة شرسه بين الجيش والعناصر الجهادية في سيناء ويمكننا ان نضع هنا خط احمر كبير على عملية اختطاف الجنود التي اعلن عنها قبل ساعات في سيناء …. اما فيما يخص المستوى الدولي لتحرك الاخوان فهو سوف يكون على محاور متناقضة ايدلوجيا وهي امريكا , ايران , حماس .. واستبعد قطر لانها اداة وليست حليف والتحرك مع الاطراف الثلاثة ستكون عبر صفقات تمس ملفات العلاقة مع اسرائيل والدور المصري تجاه حكم بشار الاسد في سوريا واستعادة حركة الانفاق بين غزة والاراضي المصرية .
نأت بعد ذلك لرد فعل الجيش ويعد هو الاسهل في قراءته وذلك لان المؤسسة العسكرية المصرية واضحة في عناوينها مثلما هي واضحة في انضباطها وانحيازها المعلن للشعب واقعيا ودستوريا ايضا , وقبل ايام قدم الكاتب الكبير الاستاذ عبدالله كمال مقالا في صحيفة الراي الكويتية ونقلته عنه عدة مواقع خبرية اخرى تحت عنوان " تفاوض علني على موعد الانقلاب " قرأ خلاله مضمون تصريحات الفريق اول عبد الفتاح السيسي القائد العام للقوات المسلحة اثناء تفتيش الحرب .. والتى اثارت جدلا كبيرا وفسرها سطحيون بانها تعني تسليما من الجيش للاخوان .. في حين ان المعنى الحقيقي هو ان الجيش منحاز للشارع وانه اعاد تموضعه السياسي كوصي على الدولة وهي القراءة ذاتها التي اميل اليها واتفق مع الاستاذ الكبير فيما رصده بأن " السيسي كشف عن أنه «رجل الرمز»، الذي ينتظر من الآخرين أن يستوعبوا الإيحاءات والإيماءات أكثر من كونه يوجه معاني مباشرة، وهكذا فإن المضمون الذي تحدث به، والمسرح الجغرافي الذي تكلم فيه، مثل تأكيدا على الحضور الطاغي للقوات المسلحة في المشهد المصري في الوقت ذاته الذي كان يقول فيه كلاما يعني أنه لن يتدخل في السياسة.
واخيرا .. علينا ان نفكر في ماذا تفكر الولايات المتحدة ؟ وماذا ستفعل الولايات المتحدة ؟ , ليس خيالا ان نقول ان القرار الامريكي نافذ في مصر الي نحو بعيد وتأكلت مساحة الرفض المصري التي كانت مستقرة في العلاقات بين القاهرة وواشنطن منذ سبعينات القرن الماضي وهو وضع تسعى الادارة الامريكية لجعلة عرفا دائما في العلاقات وعلينا في مصر الى نعيد قدرا من الندية مرة اخرى او ان نستعيد اكبر مساحة ممكنا من ارضنا في الرفض .. ولكن اذا اردنا تصور الموقف الامريكي المنتظر سنضع كل المعطيات السابقة في معادلة واحدة مع المصالح الامريكية في مصر والمنطقة .. بمعنى ان ادارة اوباما مهما كان دعمها للرئيس مرسي او جماعة الاخوان فهي لن تضحي بالشارع المصري ولا الجيش المصري ولا الحلفاء التقليدين لمصر في منطقة الخليج الذين ينتظرون ايضا نظام مصريا جديدا يستطيعون التعامل معه حتى يستعيد امن منطقة الخليج العربي الخلل الذي اصابة منذ يناير 2011 .
وبالتالي فان واشنطن تسعى للامساك بكافة الخيوط برسائل هنا ورسائل هناك .. قطر تقدم دعم للرئيس مرسي ولكن اوباما لايستقبل مرسي في البيت الابيض .. كل مراكز البحث الامريكية تضع رهانها على الجيش المصري في اوراق بحثية معلنة ولكن الدبلوماسية الامريكية تحذر من عودة الجيش للحكم .. الكونجرس يهدد بالمعونات ولكن البنتاجون يتمسك باستراتيجية علاقته مع المؤسسة العسكرية المصرية … ملخص هذه التناقضات الامريكية ان واشنطن تنتظر ظهور الطرف الاقوى على الارض حتى تراهن عليه بما يحفظ مصالحها .
