الرأي

آثرت لفترة طويلة أن أرقب المشهد السياسي في مصر، دون تعليق أو انحياز لطرف دون آخر.. رغبة مني في عدم

آثرت لفترة طويلة أن أرقب المشهد السياسي في مصر، دون تعليق أو انحياز لطرف دون آخر.. رغبة مني في عدم ترسيخ حالة الاستقطاب التي تبدو جلية في الشارع المصري، وهي حالة لا يمكن لمنصف أن ينكرها.
ولا أنكر انحيازي للدكتور محمد مرسي في منافسته على الكرسي الرئاسي أمام من أرفضه كلية "الفريق أحمد شفيق" آخر رئيس وزراء في حكم مبارك المخلوع.. كان رأيي وقتها أنني سأختار المستقبل المجهول ولن أختار الماضي أو أعيد تشيكله بسوءاته التي ثرنا لتطهيرها..
كما أعترف أن أداء الدكتور مرسي لم يكن ملبيا لطموحات كثير من المصريين.. رغم إدراكي لصعوبة المهمة التي لم يعترف هو بها في طرحه برنامجه الانتخابي وخططه التي قدمها في مائة يوم متتالية ينجز فيها كل الملفات الشائكة.
كل هذا ليس مربطا لفرس.. لكن الأهم هو ما رصدته من أدوار للمعارضة التي صعدت بصعود حاكم محسوب على جماعة الإخوان المسلمين، وهي المعارضة التي انبرت منذ اللحظات الأولى لتوليه المسئولية في رفضه والترصد له.
وبعيدا عن الرغي واختصارا في الوقت.. نرصد لكم تعامل المعارضة مع قضيتين أساسيتين أولاهما يتعلق بعمل الجمعية التأسيسية التي أفرز دستورا طرح للاستفتاء العام وثانيهما تعاملها مع ما أسموه محاولات مرسي في التحكم بالبلاد والتحول لفرعون جديد بإعلانات دستورية ترسخ حكمه وتثبت أركانه
لقد جاء انسحاب المحسوبين على التيار الليبرالي من الجمعية التأسيسية للدستور بمثابة الصدمة بالنسبة لي، فلم أجد مبررا لما فعلوه وتركهم المجال للقوى الإسلامية التي تسيطر وحدها على الدستور وتسطره حتى ولو جاء توافقيا بنسبة مائة في المائة.. لو ظلوا في أماكنهم لكانت الجمعية حصرت في اتجاهين لا ثالث لهما: فإما أن يفرضوا آرائهم ويحققوا ما يرضيهم أو تتعثر التأسيسية ويتوقف عملها فيجبر رئيس الجمهورية على التدخل إما بتقريب وجهات النظر أو إعادة التشكيل..
إن تعامل المعارضة في رفض إعلانات مرسي الدستورية اختلط برائحة عفنة سيطر عليها المصالح السياسية الضيقة وفوبيا أخونة الدولة.. لا الخوف على كيان دولة وحفظ أمنها ووحدتها، فرسخت الاستقطاب وقسمت البلاد بفعلتها لمدني وديني.. رغم أن المواطن العادي لا تشغله التصنيفات ويحتاج أن يجد ما يلمسه ليحيا حياته ويضمن لقمة عيشه، فنزلت التظاهرات وطالبت بإسقاط النظام المنتخب وهو لم يكمل نصف عامه الأول، متجاوزين بذلك إرادة الناخبين ومتناسين وجود طرف آخر مؤيد ويبدي استعدادا للتضحية فداء لما يراه شرعيا وشرائعيا وفق توصيفه
ومع رفضي لفكرة استعراض العضلات في الحشد، لكن السيناريو الأسوأ لم يره النخبة بعد أو ربما يريدونه لو سقط مرسي..
النخبة بجلالة قدرها التي انتقدت نظام مبارك على وصفه للشعب المصري بنه غير مؤهل للديمقراطية هي نفسها من تصفه اليوم بنفس الصفة وتطالب بعدم إشراك الأميين في عملية الاستفتاء بحجج هي نفسها تمارسها تتعلق بالحشد وما يصرف عليها.
مارست النخبة بقصد تشويها لمشروع الدستور حتى أن المرشح الرئاسي الخاسر أبو العز الحريري خرج في أحد مداخلاته على أحد القنوات يؤكد أنه يرفض الدستور الذي يجيز الزواج للطفلة ذات التسع سنوات، وهو ما لم يأت ذكره في الدستور
الدكتور البرادعي .. من شاهد مقابلته مع سي إن إن.. يأسف لليوم الذي أيده فيه وآمن بأفكاره، انتهازية سياسية وحرب أعلنها صراحة بين العلمانية "التي يمثلها" وبين التيار الديني الذي لا أنتمي إليه،، لو قال مدنية لعذرته ولكنه اعتقد أنه يخاطب الغرب ولن يراه أبناء وطنه بشقيه الديني والمدني… حوار يرسخ الاستقطاب ويوسع الأزمة.. خطأ لام غيره عليه ووقع هو فيه..
وحين بادرت الرئاسة بالدعوة للحوار لتحقيق التوافق الوطني، رفضت المعارضة ووضعت شروطا هي في حكم السياسة "تعجيزية"، واشترك في الحوار من شارك واستجابت الرئاسة لكل التوصيات.. ورفضت المعارضة نتائج الحوار الذي لم تحضره
رفضهم للحوار يشبه انسحاب البعض من التأسيسية قبلا.. هو في الواقع هروب من الواجهة للحرب من وراء ستار، هي حرب قذرة تستخدم فيها سياسة لي الذراع لحد تصل لإهانة الدولة ومؤسساتها
لو خاضوا حروبهم في الواجهة وأمام أعين الناس لحققوا مكاسب أكبر مما كانوا يتوقعوا، ولساندهم الشعب…. الإخوان كفصيل هم أكثر ما يزعجه "فوبيا الأخونة" على خلاف ما يعتقد البعض، ولذلك سقف التنازلات عندهم مفتوح.. حفاظا على ما حققوه من مكاسب.. لكن الأغبياء لم يستغلوا ذلك
ذكرني موقفهم بثورة التصحيح إبان حكم السادات عام 1971، وقتها كان يريد السادات إزاحة مراكز القوى من طريقه فاستقال أباطرة مجلس قيادة الثورة وقتها ظنا منهم أنهم سيحدثون فراغا دستوريا، لكنهم هونوا الأمر عليه، حتى أنه وصفهم "وهو دقيق" بالغباء السياسي.
لو سيطر الإخوان على كامل مفاصل الدولة سيكون هذا ذنب غباء المعارضة التي شتغلتها مصالحها الضيقة عن مصالح الوطن وزجوا به إلى صندوق الانتخاب الذي لن يفرز إلا أغلبية دينية.. فليضحكوا اليوم قليلا لأنهم حتما سيبكون غدا كثيرا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى