أخبار وتقارير

“التطوع في العالم العربي: هل يمكن أن يعيد المواطنين إلى السياسة


"التطوع في العالم العربي: هل يمكن أن يعيد المواطنين إلى السياسة؟" .. هذا السؤال طرحته "تانيا حداد"، أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في بيروت في دراستها المنشورة في دورية "الديمقراطية والأمن" في 4 يونيو 2015م، محاولة فهم أبعاد العلاقة بين التطوع والديمقراطية، خاصة على صعيد زيادة وعي المواطن بالأوضاع السياسية المحيطة، ومن ثم زيادة المشاركة السياسية، غير أن المفارقة التي ترصدها الدراسة أن العرب برغم أنهم الأقل تطوعا، إلا أنها الأكثر نشاطا في المجال السياسي مقارنة بنظرائهم في العالم.

ما بين الانفتاح والتضييق

في بدايتها، تلقي الدراسة الضوء على اختلاف النظم السياسية العربية المختلفة في تعاملها مع المجتمع المدني ما بين الانفتاح والتضييق، ففي ظل الإمبراطورية العثمانية كانت البداية الحقيقية لظهور منظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية من خلال الضغوط الغربية، كما شهدت هذه الفترة ظهور المراكز الحضارية والنوادي والجمعيات والمنظمات الدينية والخيرية والتعليمية التي تحصل على تمويل من الأوقاف، وهو ما أدى إلى تمتع منظمات المجتمع المدني في هذه الفترة بحالة من الانفتاح، إلا أن ذلك لم ينعكس على الأوضاع الاجتماعية أو السياسية في المنطقة العربية، وظل الحال على ما هو عليه.
 كذلك شهد المجتمع المدني تحولا آخر خلال الحكم الاستعماري؛ حيث ظهرت موجة جديدة من منظمات المجتمع المدني وعلى رأسها النقابات المهنية والنوادي الثقافية والجمعيات التي تتبنى الأفكار العلمانية، وبدأ المجتمع المدني في المنطقة ينتهج مسارًا مختلفًا، فبدأ يعطي مزيدًا من الاهتمام للأنشطة السياسية، وكان لها تأثير كبير على الكفاح الوطني، بالإضافة إلى سعيها إلى تحقيق الوحدة العربية.

قيود الاستبداد

ومع استقلال الدول العربية دخل المجتمع المدني في مرحلة جديدة مع بداية ظهور الأنظمة الاستبدادية التي حكمت المنطقة لفترة ليست بالقصيرة، ووضعت العديد من هذه النظم في قمة أولوياتها الحفاظ على الشرعية كأساس للحكم، بالإضافة إلى مواجهة ما صنفتهم تحت مسمى "أعداء العرب"، وسعى العديد منها إلى تحقيق الوحدة العربية والنمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
وفي هذا السياق، رأت هذه النظم أنه يجب فرض السيطرة على كافة منظمات المجتمع المدني من خلال القواعد والقوانين التي أتاحت التحكم بالكامل في هذه المنظمات، كما ضمنت عدم ظهور معارضة تعيقها عن أداء مهمتها، وتعرضت هذه المنظمات خلال هذه الفترة لقمع وتقييد أعاقها عن أداء دورها التنموي داخل المجتمع.
ولكن الأوضاع تغيرت بشكل واضح مع انطلاق الثورات العربية والإصلاحات السياسية التي تلت هذه الثورات، والتي أسهمت في خلق بيئة محفزة لظهور المزيد من منظمات المجتمع المدني، ووجود مساحة تسمح للمواطنين بالتعبير عن توجهاتهم السياسية، والمشاركة في اتجاه الدفع إلى ما هو أفضل، بيد أن الوضع قد شهد تراجعًا بعد فترة ليست بالطويلة؛ حيث إن المجتمع المدني لم يستطع اقتناص هذه الفرصة.
وهو ما يفسره البعض بعدة أسباب، منها: نخبوية المجتمع المدني في العالم العربي، يضاف إلى هذا أن البرامج التي يسعى إلى تحقيقها لا تتلاءم مع الأوضاع الثقافية والاجتماعية التي تعيشها المنطقة، وتركيزه على معالجة جزء من المشكلة دون معالجة أسبابها الجوهرية، ومن ثم استطاعت الحكومات تطويعه ليكون مجرد واجهة للديمقراطية أمام الحكومات الغربية للحصول على مزيد من المساعدات، فيما اتجهت إلى التشكيك الدائم فيه في أوقات أخرى نظرًا لاعتماده بشكل أساسي على التمويل الخارجي.

مأسسة الفكر التطوعي
:
شهدت المنطقة العربية طفرة في الاهتمام بالأعمال التطوعية في السنوات الأخيرة، وقد ينبع هذا من الثقافة الإسلامية والعربية، وقد ظهر عدد كبير من المنظمات التي تهدف إلى خدمة المجتمع ولديها القدرة على اجتذاب أكبر عدد ممكن من الشباب.
كما اهتمت بعض الحكومات العربية بجذب الشباب نحو الأعمال التطوعية التنموية، وذلك في إطار رغبة عدد منها في أن يتشارك المجتمع المدني معها جزءًا من أعبائها التنموية، ففي لبنان أعلن وزير التعليم أن الطالب لن يحصل على شهادة إتمام التعليم الثانوي إلا بعد القيام بأنشطة تهدف إلى خدمة المجتمع لمدة 60 ساعة على الأقل.
وفي هذا الإطار، التقت 40 جامعة من دول عربية مختلفة في 2014م في الأردن لمناقشة السبل التي يُمكن من خلالها غرس الثقافة التطوعية والمشاركة المدنية لدى طلاب الجامعة، كما قامت الإمارات في 2012م بإنشاء هيئة تنمية المجتمع بدبي، وهو أول مركز حكومي مسئول عن العمل التطوعي في الإمارات.
ولكن على الرغم من هذه الجهود التي بُذلت لترسيخ الفكر التطوعي في العالم العربي، ما تزال هناك تحديات تواجه أي محاولة لمأسسة الفكر التطوعي في المنطقة العربية؛ وذلك نتيجة لغياب السياسات الحقيقية التي تشجع الشباب على المشاركة المدنية، وافتقاد الدعم والتمويل الحكومي للبرامج الهادفة لخدمة المجتمع، ولهذا ظلت برامج المجتمع المدني قاصرة على مبادرات من مجموعة من المساهمين، وغالبًا ما ينتهي زخمها بعد فترة قليلة من إنشائها.
التطوع والمشاركة السياسية:
أُجريت العديد من الدراسات واستطلاعات الرأي التي تهدف إلى تحليل العلاقة بين التطوع والمشاركة السياسية في المنطقة العربية، في ظل السعي للإجابة على سؤال: "هل يمكن أن يكون الانخراط في الأعمال التطوعية مدخلا لعودة الشباب إلى السياسة؟".
وقد كشفت استطلاعات الرأي عن أن الشباب في المنطقة العربية هم الأقل مشاركة في الأعمال التطوعية مقارنة بباقي مناطق العالم؛ إذ وصلت نسبة مشاركتهم إلى ما يقدر بحوالي 19% فقط، كذلك أوضحت دراسة تم إجراؤها في عام 2010 أن هناك تباينًا شديدًا بين الذكور والإناث في نسب المشاركة في الأعمال التطوعية؛ حيث وصلت نسب مشاركة الذكور في فلسطين إلى 38% بينما وصلت نسبة الإناث إلى 14%، وكانت النسب متقاربة إلى حد ما في اليمن حيث بلغت نسبة الذكور 35% ونسبة الإناث 21%.
بينما في الأردن كان هناك تراجع في النسب للجنسين، حيث وصلت نسبة الذكور إلى 8% بينما الإناث 4%، ولم يختلف الوضع كثيرا بالنسبة لمصر حيث بلغت نسبة الذكور 6% مقابل 3% للإناث، وهو ما يمكن توضيحه من خلال الشكل البياني التالي
.
 

 وعلى الرغم من قلة الاهتمام بالأنشطة التطوعية، فإن الشباب العربي يعد الأكثر نشاطًا على المستوى السياسي مقارنة بباقي دول العالم؛ حيث وصلت نسب مشاركة الشباب العربي في الاعتصامات إلى 28.9 % بينما وصلت النسبة العالمية إلى 15.2%.
وتبلغ نسبة مشاركة الشباب العربي في الانتخابات حوالي 48% مقارنة بالنسبة العالمية التي وصلت إلى 59%، ومن ثم رأت هذه الدراسة أن التطوع لن يؤدي إلى الاهتمام بالأوضاع السياسية، حيث إن العرب هم الأقل تطوعًا والأكثر نشاطًا على الصعيد السياسي.
وأرجعت الدراسة هذا بشكل أساسي إلى إيمان الشباب العربي بقيم الديمقراطية، مما دفعهم دائمًا إلى المشاركة في الإضرابات والاعتصامات لإجبار النظام السياسي على انتهاج المسار الديمقراطي، فلم يكن ذلك نتيجة لأنشطتهم التطوعية، ولكنه ناتج عن قناعتهم السياسية.
وقد أوضحت الدراسة أن أكثر من 90% من الشباب العربي يؤمنون بالديمقراطية، ويرون أنها النظام الأمثل للحكم، بينما أرجعت دراسات أخرى المشاركة المتزايدة للشباب العربي في الانتخابات لشعورهم باستنزاف موارد الدولة، وعدم حصولهم على نصيبهم من هذه الموارد، لذا جاءت المشاركة السياسية كنتيجة مباشرة للأوضاع التي تعيشها النظم العربية وعدم ثقة المواطنين في الحكومات.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية، حيث إن هناك إيمانًا بأهمية بناء مجتمع ديمقراطي، إلا أن نسب المشاركة التطوعية متدهورة، وذلك على الرغم من أن المشاركة في هذه النوعية من الأعمال -حسبما تؤكد الدراسة- من شأنها أن تسهم في بناء مجتمع ديمقراطي.
وهو ما دفع "جينجلر" و"تيسلير" إلى القيام بدراسة لمعرفة الأسباب التي تكمن وراء عدم المشاركة المجتمعية للشباب على الرغم من إيمانهم بالديمقراطية؟ وأوضحت تلك الدراسة أنه لا يوجد علاقة ارتباطية بين المشاركة التطوعية في المجتمع العربي وتبني قيم الديمقراطية.

بيد أن هذا لا ينفي أن هناك دراسات أخرى أكدت أن الأوضاع السياسية والاقتصادية تمثل عاملا مؤثرًا على الوعي السياسي، ومن ثم على مستويات التطوع في المجتمع العربي، فوفقًا لدراسة أُجريت في 2012م حول المشاركة المدنية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قام بها "جون كورتز" تم التوصل إلى أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية هي الحاكمة للأنشطة التطوعية التي يقوم بها الفرد داخل المجتمع.
 وهو ما ظهر من خلال نتائج الدراسة التي أوضحت أن الأفراد ذوي المستويات التعليمية المنخفضة والذين يعيشون في المناطق الريفية ويعانون من البطالة هم الأقل مشاركة في الأعمال التطوعية، بينما الأفراد الذين لديهم وعي سياسي والأكثر متابعة للأحداث اليومية والأنشط على مواقع التواصل الاجتماعي هم الأكثر مشاركة في الأعمال التطوعية.

مستقبل المجتمع المدني العربي
:
إجمالا نجد أن القيام بالأعمال التطوعية والمشاركة المدنية داخل المجتمع تكون ناتجة عن الأوضاع السياسية التي يعيش فيها المواطنون، ورغبتهم في التغيير، فالتطوع لن يؤدي إلى الاهتمام بالأوضاع السياسية، ولكن الظروف السياسية والاقتصادية المحيطة هي التي تدفع إلى المشاركة المدنية والتطوع داخل المجتمع.
فعادة من يقوم بالمشاركة في الأعمال التطوعية لديه درجة عالية من الوعي السياسي، والاهتمام بمتابعة الأحداث السياسية، ويمكن القول إن زيادة الوعي السياسي قد دفعهم للتطوع، ومؤخرا قامت العديد من الدول العربية بالاهتمام بالأنشطة التطوعية لخلق رأس مال اجتماعي يسهم في تنمية المجتمع وتقليل الفجوات الاقتصادية بين المواطنين.

وتتوقع الدراسة أن يؤدي هذا إلى زيادة درجة الثقة والتلاحم المجتمعي بين المواطنين، وقد يدفع الوضع الاقتصادي المتردي إلى اهتمام طبقات وشرائح جديدة بالحركة السياسية في المجتمع، وهو ما قد يدفعهم للتطوع في أنشطة المجتمع المدني المختلفة كأحد الوسائل للتغيير، ومن ثم تزايد قوة المجتمع المدني، واحتمالية عودته للتأثير على مجريات العملية السياسية مرة أخرى.

عرض: رضوى منتصر الفقي، باحثة في العلوم السياسية.

نقلا عن المركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجية

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى