بعثرت نظراتها التائهة بكل الزوايا ، اشتمت عفن المخيم من بعيد ، هنا لا عطور ، ولا حتى أناقة مزيفة
بعثرت نظراتها التائهة بكل الزوايا ، اشتمت عفن المخيم من بعيد ، هنا لا عطور ، ولا حتى أناقة مزيفة للحضور .
شوارع أكلت أطرافها ، ومحالٌ لم يكتمل بنائها ، أناس لأول مرة تعانق ملامحهم عيناها ، الشقاء وحده من يعرفهم، والبؤس المتناثر في الأجواء يكشف خيباتهم .
مابين فرحها المستتر وحزنها المنتظر ، تقرأ يافطات وضعت على مفترقات الطرق لغيرها ، فهي الزائرة العابرة في هذه المدينة التي لم تبى لأمثالها .
التقطت من بين غبار أحداها .. شارع المحن في الاتجاه الغربي ، هكذا هي حياتها تأخذها حيث الغروب دائما ..
أوقفت مركبة يفتح صاحبها عيناه علها تصطدم بأحد العابرين ليلتقط رزقه ..
– قصر الأفراح من فضلك
– تفضلي
جلست في المقعد الخلفي على طرف النافذة ، تسرح بخيالها المطلق وهي تراقب كيف يبتلع الشارع كل ما يمر في طريقه ،تحاول النظر إلى الخلف لتنال نظرة أخرى على ما تراه غريبا لكن سرعة السائق تفوق فتحة عيناها الخضروان .
كانت ترتشف رمقها بكل قوة كلما لاحظت أن السائق يسترق النظر إليها من خلال المرآة المعلقة أمامه ، دون أن يعلم أن مصيرها علقه القدر على هذه الزيارة ، ربما اكتشف أنها غريبة الملامح أو انه يكرر معها ذات ما يفعله مع غيرها ، لم تكترث كثيرا فما جاءت إليه في هذا اليوم لا تعلق له الحوادث الصغيرة كهذه ، أما هو فحاول أن يخرج نفسه من بوتقة الشبهة قائلا :
– أقريبته أنت !!
– من
– صاحب الفرح
تلعثمت مذهولة بسؤاله كانت تود أن تقول له لا بل حبيبته، أو أن تقول من المفترض أن أكون عروسه ،لكنها وجدت نفسها ترحل إلى الماضي البعيد القريب، حينما اختار لها فستان الزفاف بيديه طيبه وقال : .. هو لكِ وحدك .. بكت يومها وقالت : .. أريد أن أراه .. اخبرها أن أمله في الله لا ينقطع ،وكأن الحبال المشدودة من الأرض إلى السماء مخلوقة من الفولاذ الصلب .. أو أن الله في القرن الحادي والعشرين غير إبداعه حتى غدت السماء تحتضن الأرض .
اختطفها من شريط ذكرياتها صوته حينما أقحم ذاته مجددا في وجعها قائلا : يبدو انكِ قريبتها !!
ياااه كم هو متواطأ مع القدر يبحث عن أي وسيلة ليدس سمه في أحشائها ، هذا الرجل لا يعرفها البتة ولكنه يقتلها بأسئلته المدهشة حتى النزف ، وكذا القدر لا ثأر بينهما ليقتص منها أما الضعف البشري لها والقوة الربانية له ، لكنه لها بالمرصاد يهديها الألم كوجبة سريعة للبكاء الممتع على ولائم الضجر
أجابته … بل قريبة هذا الوطن !!
لم يفهم مقصدها ..فامرأة جاءت بكل زينتها في مكان لا زينة فيه سوى أعمدة الإضاءة الخافتة ، ومقاعد الانتظار المهترئة أمرٌ مريب !
فطنت حيرته ، فهي المرأة الأكثر جرأة في صخابة الحسن المزيف الذي أضفته لنفسها ، كان لا بد من أن تكون هكذا عطرها الفاضح يكشف شهوتها المكبوتة تجاه هذه المدينة ، ولمعان عيناها إعلان عن خطيئة تود ارتكابها بحق كل من لا تعرف .
كان صوت الطائرات في السماء يفسد عليها متابعة ما حولها أو حتى التفكير فيما هو آت لها ، كانت تود أن تسأله إن كان الحال مستمر بهذه الطريقة هنا ، لكن سيفتضح أمرها ، وحينها سيعلم أن غريبة تحل ضيفة على مدينة تعشق زوارها وتهلل بهم ، لكنها تأخذ الكثير من أعمارهم في دقائق ، فقد تشيخ أمام مشهد من البؤس المتراكم في احد الأزقة المكتظة بالألم .
يزداد الصوت قربا ، حتى يسمع إطلاق قذيفة هزت المكان الذي تسير فيه دون أن تعلم أن آخرا كان احد المارين من ذات الشارع .. وهي التائهة الباحثة عنه !!
اصطف السائق مركبته جانبا وهو يقول .. الله المستعان .. قصف جديد
أصوات الضوضاء ولمعان إنارة المركبات في عين الشمس ، سيارة إسعاف ، وجمهور من المحتشدين في المكان ، ونداءات استطاعت أن تختلس من أحداها قول :.. " لا حول ولا قوة إلا بالله ، إنهما عروسان "
مااااذا ؟؟!!
فتحت باب المركبة مذهولة من وقع الصدمة عليها ، لم تعي قدميها أين كانت تحط خطواتها ، في حين كانت تريد أن تراقب تلك الخطوات الأولى لها على بوابة الدمع الذي لا ينتهي… لا وقت .. فالقدر يتهكم بخططها العشقية التي تصلح أسطورة حب ساذج اقرب للخيال .
وسط ذهول الجميع انكبت على صدره باكية ، لا .. لا وقت للدمع السخي الذي سيبلل بدلته التي عانقت فرحته الأولى ، أمسكت برأسه وهي تمسح عن جبينه حبيبات العرق ، لو كان على غير هذا الحال لاحتستها بلسانها لتقنعه أن جزءا منه أصبح داخل أحشاءها ، ضمت راحتها الأخرى على جرحه النازف ودمعها يتساقط قريبا من وجنتيه ، لم يفارق الوعي بعد، لكنه مصاب .. امرأةٌ لأول مرة يراها تمسكه بهذه الطريقة دون أن ترتدي ثياب ممرضة قادمة لإسعافه .. دفئ بقاءه في أحضانها يقنعه أنها ليست موفدة المشفى ، فمن تكون تلك الباكية التي بدأت تختفي ملامحها مع خطوط الدمع الذي اصطبغ بحمرة وجهها المفجوع ، وارتجاف جسدها خوفا ، وارتباكا، ورهبة من هذا الموقف !! ، كل النساء لهن ذات النحيب ، لكن تقطع صوتها وتحشرجه كان مختلفا تماما …
قالت : هل أنتَ بخير ؟
لو كان متعافيا لعرف صوتها لكنه تحت تأثير الألم السادي الذي أراد أن يفسد عليه فرحته ، كيف له أن يعرف ذلك الصوت رغم أنها أشبعته به اثنا عشر شهرا إلا دقيقة من التواصل !!!
ترى كانت تلك الدقيقة التي افتقدت لقائهما عبر خط لاسلكي أقوى من الاثنا عشر شهرا الذي ذاب الغيد فيهما مع كل لقاء !
قال وأنفاسه تختنق : راحيل !! .. حبيبتي هنا !!
نعم جاءت تحمل الزهور لتهديك إياها في ليلة زفافك، لا أن تضعها على قبرك ، جاءتك مثقلة بحبها ، لتبارك فرحك وحبك لغيرها .. قطعت كل الحواجز التي وضعت في طريقها في وطن لا أكثر من الحواجز والطرق الملتوية فيه .

