الرأي

تدور أحداث فيلم كف القمر ،خلال ما يقرب من 50 عاما ،وينطلق من الوضع الاقتصادي الذي يخلق ويؤسس للظروف المحيطة

تدور أحداث فيلم كف القمر ،خلال ما يقرب من 50 عاما ،وينطلق من الوضع الاقتصادي الذي يخلق ويؤسس للظروف المحيطة بأبطال العمل .أو العائلة المكونة من سبعة أفراد ،فهي تستأجر أقل من فدان زراعي ،ولا تملك سوي مشروع منزل بالطوب "اللبن" يطل من أعلي هضبة علي طريق "القاهرة – الصعيد"،بالإضافة لإيمان الأب الراسخ إلي درجة الهوس ، بوعد الأجداد ،عن وجود كنز اندثر مع مومياوات في مقابر صخرية وسط كهوف الجبل .والأخيرة تخبأ أيضا أساطير عن آخرين ،ذهبوا إليها طلبا للكنز ولم يعودوا  ..

المشهد الثاني يظهر الأب وهو يسعي جاهدا لتفتيت الصخور، ومن حوله ينفض قلائل قبلوا مشاركته الوعد لأيام،ثم تركوه يأسا وخوفا مما يخبئه الجبل.. وهو مشاهد  تذكرك بأجواء رواية "الجبل" لفتحي غانم .

في المنزل تظهر الأم " قمر" وتجسدها وفاء عامر ، والقلق يلتهمها خوفا علي زوجها ،ومستقبل أبنائها ،الصبيان الخمسة.. هم كف يدها .وأقصي أمانيها بناء المنزل .. بعد لحظات تقرر الذهاب إلي الجبل لإقناع رب الأسرة بالعودة .وعقب  حوار يملؤه الحنين ،قررت المبيت مع زوجها، إشفاقا عليه ،من هاجس الوعد والأسطورة .

في المشهد التالي يصل للزوجة والأبناء خبر مقتل الأب ،وعندما يذهب الابن الأكبر الذي سيقوم بدوره لاحقا خالد صالح للتحقق من الخبر، يبلغه مسئول  بشماتة  : هذا ما يأتي به الكنز .. ويفهم الطفل بفطرته إن المسئول هو من قتل والدة و سرق كنز عثر عليه .

تقرر الأم بفطرتها إن علي أبنائها السفر للعمل بالقاهرة ،ليبنوا المنزل ويحققوا الحلم ،خاصة عقب مرور صاحب الأرض عليهم لإخبارهم بأن عليهم تركها .وقبل أن يغادروا توصيهم بالعيش يدا واحدة ،وتوصي كبيرهم بألا يأتيها منفردا ،وان عليه جمع أشقائه الخمسة دائما .

في القاهرة يبدءون البحث عن عمل .. أحدهم في "عصارة قصب" ،وأخر في "مقهى" ،وثالث "بائع متجول" ،ورابع "بائع اسطوانات" ،أو "أشرطة كاسيت" .أما الخامس وهو خالد صالح ،فبعد الاطمئنان علي أشقائه يذهب للعمل في المقاولات جهارا ،ومع "خاله" في تجارة السلاح سرا .

قبل مغادرتهم البلدة،رفض صاحب الأرض تزويج ابنته "غادة عبد الرازق" لخالد صالح ،الذي تقدم إليها مرتين ،الأولي قبل طلاقها ،والثانية قبل مغادرته وأشقائه إلي القاهرة ،والسبب حكم أشقائها ووالدها بألا يزوجوها إياه مهما حدث : كيف يتجرأ المستأجر طلب الزوج من ابنة صاحب الأرض ؟ .. كما يتضح من الحوار ،إن تاريخا من الصراع بين العائلتين كان حاضرا دوما في العلاقة بينهما .. أحداهما تمتلك المال ،والأخرى تمتلك حيزا كبيرا في الأذهان عن جرأة أفرادها ،وكبريائهم .

تنطلق الأحداث من ذلك السياق  ،وقد أهدي المخرج خالد يوسف، الفيلم في تتر البداية لأحد أصدقائه الذي توفي قبل أن يري تحقق حلميهما بثورة 25 يناير .

في القاهرة تفرق التفاصيل اليومية بين الأشقاء ،ومع الوقت ولسبب غير مفهوم تماما يرفض الأشقاء الأربعة ما أسموه سيطرة خالد صالح عليهم ،ومحاولة تفرده باتخاذ القرار .ومع الوقت يبدأ الشقيق عامل "المقهى" في الاتجار بالمخدرات،وقبل نهاية الفيلم يكون قد أصبح زعيما لعصابة مهمتها توزيع المخدرات وحمايته،أما عامل "الكاسيت"فيتحول إلي صوفي ،يسعي خلف المجاذيب في الموالد ،بسبب رفض أشقائه زواجه من راقصة،وتزوج "البائع المتجول" في قرية ريفية بدلتا مصر ،وعاش ليزرع الأرض ،كما علمته "قمر".واصطدم "بائع العصير" بخيانة حبيبته "جمانه مراد" مع شقيقة الأكبر ،دون علم الأطراف الثلاثة بصلة القرابة .أما خالد صالح فقد أصبح مقاولا ،وتاجر سلاح ثري .تزوج ،من حبيبته ،في احدي مستشفيات الأمراض العقلية ،التي دخلتها بسبب رفضها الكلام ،وإصرارها علي الانتحار ،ثم يختطفها إلي القاهرة .في المقابل قام أهلها باحتجاز والدته "قمر"إلي حين تسليمه ابنتهم .وكان تسليمه إياها سببا في حزن شديد لحبيبته ،وفراق إلي الأبد كما أخبرته.

في منتصف الفيلم أنت أمام متعة روائية ،ولغة سينمائية واثقة إلي درجة الوصول بالأحداث إلي ما قبل النهاية  ثم العودة إلي المنتصف ،ثم إقحام بعض المشاهد التي تبرر لماذا رفض الأشقاء الانصياع والعمل في المقاولات مع الشقيق الأكبر.لكنها متعة تطرح وبإلحاح : كيف سيكون مشهد النهاية ، فيلم بكل تلك التفاصيل تسقطه نهايته، وقد ترفعه إلي عنان السماء. 

تقوم الفكرة الرئيسية علي الفوضى التي ضربت مصر طوال 30 عاما،وأدت إلي تمزق المجتمع ،فالمسئول فاسد،والطبقات الفقيرة تسعي بشتى السبل لاقتناص ما أمكن من "حلاوة" الدنيا،لكن التشوه الاقتصادي مزق أوصالها .. الكل مشوه ،والحب خرج بلا رجعة ،بقي فقط الكذب ،والجنس ،والمخدرات ،والزهد،والهروب.والأمل الوحيد الباقي تطرحه "قمر" وهو التآلف حول هدف واحد ،والتعاون لتحقيقه،والوعي بأن القوة في المجموع ،والفرد هزيل وتائه ،وهو غالبا إسقاط علي ما تم في يناير.

يظل الماكياج مشكلة عويصة في السينما المصرية ،فهو إما باهت ،أو أكثر من اللازم .. وقد أصاب التميز معظم أبطال الفيلم ،لكن الإبهار والإمتاع يبقي حقا خالصا ، لخالد صالح ،غادة عبد الرازق ،جمانه مراد ،هيثم احمد زكي ،وحسن الرداد.

                                                                                                                    

  

 

 

 
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى