كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن المخططات التي تهدف إلى إشعال الأوضاع في مصر وتأجيجها عن طريق تحويل المظاهرات والاعتصامات
كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن المخططات التي تهدف إلى إشعال الأوضاع في مصر وتأجيجها عن طريق تحويل المظاهرات والاعتصامات المطالبة بالديمقراطية إلى صدام مفتعل مع الجيش ، لتدخل بعدها البلاد في دوامة أشبه بالحرب الأهلية ، تكون مبررا للتدخل الأجنبي لإعادة فرض الاستقرار والأمن وحماية الأقليات من بطش السلطة ..
الحديث عن وجود مثل تلك المخططات ليس بجديد .. حتى أيام النظام السابق كانوا دائما يتحدثون عن تلقي جماعات بعينها تمويلا من الخارج بهدف زعزعة الأمن والاستقرار في مصر .. ولعل الأمثلة كثيرة بدءا بقضية سعد الدين ابراهيم صاحب مركز ابن خلدون للدراسات وانتهاء بحملة الاستيلاء على الشركات والمشروعات المملوكة لقيادات من جماعة الإخوان المسلمين التي وجهت لها اتهامات بغسيل الأموال .. حتى أن بعض الصحفيين تحدث قبل أعوام عن تلقي شخصيات بارزة في مصر مثل الداعية عمرو خالد وإعلاميين وشخصيات حزبية بارزة مخصصات مالية من الولايات المتحدة وذلك من واقع الكشوف التي تعلن عنها الخارجية الأمريكية حول نفقاتها للدعم الخارجي ..
ولعل آخر ما تداولته وسائل الإعلام هو تخصيص الولايات المتحدة لنحو مليار ونصف مليار دولار لجمعيات ومنظمات وحركات في مصر منذ قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير ، وكذلك الحديث عن تلقي الإخوان المسلمين مائتي مليون دولار من قطر ، ومثلهم أو أقل حصل عليها السلفيون في مصر من السعودية .. وهذا ليس مستغربا ، فليس كل الإسلاميين أتقياء ، وليس كل الليبراليين شرفاء ..
قضية الأموال ليست بجديدة إذا ، ولكن الجديد هو ما تم الحديث عنه من جانب المجلس العسكري من وجود تخطيط ميداني لبعض الجماعات والأفراد لإشعال الوضع في مصر والوقيعة بين الجيش والشعب ، في وقت تمر فيه العلاقة بين الشعب والشرطة بأسوأ حالاتها على الإطلاق – ليفقد المصريون الثقة بمؤسساتهم الأمنية والعسكرية ..
قصة اللهو الخفي وتكرارها كلما حدثت أزمة ، ثم اختفاؤها مرة أخرى تذكرنا بقصة راعي الغنم الذي كان يقض مضاجع أهل القرية كل يوم بالحديث الزائف عن الذئب الذي يهاجم القطيع ، ثم لم يجد مصغيا ولا معينا عندما يأتي الذئب بالفعل ليتفرس نعاجه …. راعي الغنم كان أحد أبناء القرية وليس ولي أمرها ، كان مجرد فرد ، حتى إن أكله الذئب هو نفسه فلم تكن الحياة لتتوقف بمماته ،،، ولكن الوضع مختلف ، فالمجلس العسكري – وليس الجيش كما يصر البعض على تحديد الأدوار – هو من يمسك بزمام الأمور ، وكلامه كله جد ، ولا مجال للتراجع فيه أو الوقوف عند نقطة معينة منه … وهو أيضا ليس طرفا أو خصما في مظلمة ، فمواقفه يجب أن تكون محسوبة بحيث يقف على مسافة متساوية من جميع الأطراف اللاعبة على الساحة السياسية في مصر بغض النظر عن مدى قوتها أو تأثيرها في الشارع … هذا ما يؤكده دائما أعضاء المجلس العسكري في تصريحاتهم ومؤتمراتهم الصحفية التي تأتي في كثير من الإحيان بالمفاجآت والمفارقات الغريبة ….
عروض الفيديو التي أعقبت أحداث ماسبيرو ومجلس الوزراء اعتبرها الكثيرون وسيلة غير موفقة لتوضيح ما حدث ، فهي لم تتحدث عن جميع الوقائع ، بل تركز على ما يدين الطرف المعتدي في رأيهم وتتجاهل المشاهد التي قد تدين أفراد الجيش مثل "سحل " فتاة التحرير واعتداء الجنود بالعصي على بعض المتظاهرين الذين سقطوا على الأرض ، وهي فيديوهات ملأت وسائل الإعلام والمواقع الإليكترونية … ما يفرض حالة من عدم المصداقية في الحديث ، وكأن المجلس العسكري في ساحة محكمة يدافع عن نفسه ضد اتهامات وجهها البعض إليه ، وليس كممسك بزمام الامور في البلاد ،، وهو ما يعضد ويزيد من قوة الطرف الآخر – إذا سلمنا بمبدأ الخصومة – لأن الإعلام دائما ما يركز على أخطاء السلطة وليس الشعب …
كما أن الحديث عن طرف ثالث يسعى إلى نشر الفوضى والوقيعة بين الجيش والشعب وتفكيك الدولة دون الكشف عن ماهية هذا الطرف أو الأدلة المتوفرة لدى المؤسسة العسكرية حوله يزيد من تعقيد الأمور … فكيف ستحاسب هذا الطرف المجهول وهناك العشرات ممن أفسدوا على المصريين معيشتهم لم ينالوا جزاءهم حتى الآن رغم مرور ما يقرب من عام على الثورة ، ورغم أن جرائمهم موثقة في أشرطة المؤتمرات السنوية للحزب الوطني ، والجلسات الوهمية لمجلسي الشعب والشورى ، والأوراق الخاصة بصفقات الغاز المشبوهة ، وقضايا التعذيب والعزل السياسي والوظيفي لألاف المعارضين للنظام السابق ، وملايين الأمتار من الأراضي التي بيعت بخمسة قروش للمتر لكبار المستثمرين ورجال الأعمال ، وغيرها من المخالفات البينة .. بالطبع تلك القضايا في يد القضاء ، تماما مثلما أن قضية المتآمرين على مصر في يد القضاء ، في حين أن الشعب بأكمله في ذمة الله …
لابد من المكاشفة والمصارحة ، أيا كان المتورط ، فقد سقط مبارك رأس النظام ، فلم البكاء على الحاشية ،، ولما البقاء على أناس ما أبقوا على مصر ،، وعلى المريض أن يعرف داءه ليفكر كيف يتعافى منه ، وإلا لظل يعاني حتى الموت … كانت الفرصة ولا تزال سانحة ، ولفترة محدودة ، للحديث بشفافية عن المتورطين في مخطط حرق مصر وإسقاط الدولة ، طالما أن هناك من الأدلة ما يكفي لإدانتهم ،،،وسيكون الشعب أول من يحاكمهم ، لأنه ببساطة المتضرر الأول والأخير مما يحدث .. لابد من الشفافية قبل أن تمتليء السفينة بالمياه المتدفقة من الخرق الذي أحدثه نظام مبارك ويعمل الكثيرون الآن على توسيع رقعته … فالقضية في أولها وآخرها أمن مصر وليس أمن المجلس العسكري …