الرأي

فجاة تم اعتقال كل الرجال في عائلة عبدالحكيم عامر..ووضعت تحت الحراسة أرض الأجداد التى كان يمتلكها أحد أعمامى، وكان معاش

فجاة تم اعتقال كل الرجال في عائلة عبدالحكيم عامر..ووضعت تحت الحراسة أرض الأجداد التى كان يمتلكها أحد أعمامى، وكان معاش والدى 23 جنيها شهرياً وكـنا 6 إخوة وتعيش معنا عمتى التى لم تتزوج، وخرج أبى من المعتقل فى فبراير 1968 ولم أعرفه بعد أن كان قد فقد 30 كيلو من وزنه وكان منكسراً، فلقد علم فقط أخيراً بموت أخيه وتوأم روحه، وصحوت يوماً ليلاً لأجد أبى فى غرفة نومه ولأول مرة أراه يبكى ويقول لأمى «عبدالحكيم أخويا يا زينب قتلوه قتلوا عبدالحكيم» وأجهش بالبكاء .. تلك الكلمات كتبها ذات مرة طارق عامر رئيس البنك الاهلي المصري ورئيس اتحاد البنوك في مقال باحدي الصحف المصرية قبل شهور .. لعل تلك الكلمات تفسر الي حد بعيد اللغز الذي ظل يحيط قرارات طارق عامر منذ ظهوره امام الرأي العام حين كان نائبا لمحافظ البنك المركزي الدكتور فاروق العقدة .. كثيرون في مصر كانوا يتساءلون من اين يستمد عامر قوته ؟ ولماذا اتفق والعقدة علي عدم الانضمام للحزب الوطني رغم حساسية منصبيهما ؟ وكيف ادار الرجلان معركة استرداد اموال الدولة من رجل الاعمال احمد بهجت ؟ ولماذا استجاب مبارك علي مضض للعقدة وعامر ؟ وكيف نجح طارق عامر في ادارة البنك الاهلي ليرفع الارباح من 400 مليون جنيه في ثلاث سنوات الي اكثر من ملياري جنيه ؟ولماذا رفض منصب نائب رئيس الوزراء في حكومة هشام قنديل وهل هناك من يرفض مثل هذا المنصب ؟ ولماذا طارق عامر دون غيره من رؤساء البنوك الذي قدم استقالته اكثر من مرة حتي تم قبولها مؤخرا ؟
كل تلك التساؤلات لن تستطيع الاجابة عنها دون قراءة الكلمات التي كتبها طارق عامر بإمعان .. الرجل صعيدي لا يعبأ بالمناصب فقد احتضنت اسرته متمثلة في عمه المشير عبدالحكيم عامر ثورة يوليو الذي اقتحم مقر القيادة عشية الثورة وظل رفيقا هو و عبدالناصر حتي اجهزت النكسة علي تلك الصداقة التي كانت مضرب الامثال .. حين كان طارق عامر صغيرا كان يري عبدالناصر في منزل عائلة عامر ويرتدي جلباب المشير ولكن تبدلت الاحوال بعد النكسة وتم اعتقال كل رجال العائلة تمهيدا للتخلص من المشير وهنا بدأت معاناة عائلة عامر وهي ذاتها المعاناة التي اكسبت طارق عامر صلابة .. فقد رأي امام عينه كيف خربت السياسة بين الاصدقاء وكيف اصبحوا محاصرين وملاحقين ومطلوب منهم الدفاع عن عمهم الموصوم اعلاميا بوصمة الانتحار والنكسة .. كانت الاسرة تحت الرقابة الشديدة حتي ان طارق عامر الذي لم يتجاوز الـ 12 عام كان يتحدث مع شقيقاته واخيه الكبير امين من خلال كتابة رسائل ورقية خوفا من اجهزة التنصت ..وهكذا كان حال طارق عامر الذي يريد ان يدافع عن شرف المشير العسكري لكنه لايزال صغيرا واسرته تخشي التنكيل اكثر من ذلك وهو الامر الذي ادرك معه طارق عامر ان الرحلة طويلة وادرك قبل ذلك أن المناصب لاتدوم كما تدوم المحنة لذا اكتسب قوة الاستغناء وهي القوة التي اعانته علي اتخاذ قرارات شجاعة طيلة حياته .
حين تولي فاروق العقدة منصب محافظ البنك المركزي اختار طارق عامر الذي كان حينها نائبا لرئيس بنك مصر ليعمل نائبا لمحافظ البنك المركزي وعندما بدأ العمل كان يصطدم مع بعض قيادات النظام السابق وكان هذا الامر غريبا عليهم فقالوا حينها ان طارق عامر يستمد قوته من جمال مبارك وهو الامر الذي دفع عامر الي سؤال العقدة عمن رشحه للمنصب فأجاب العقدة انا الذي اخترتك ولا دخل لجمال في ذلك .. في بداية حياته العملية كان طارق عامر يعمل في بنك اوف امريكا الذي التحق به جمال مبارك بعدها بعامين ولم تكن هناك علاقة بحكم ان جمال مبارك لم يكن اجتماعيا كما ان طارق عامر كان يري انه من عائلة احتضنت ثورة يوليو وانه لايقل ابدا عن ابن رئيس الجمهورية وان الفيصل بينهما هو العمل .. بعدها انتقل كلاهما الي اماكن مختلفة فقد سافر جمال الي لندن وعمل طارق عامر في بنوك الكويت حتي عاد وتولي منصب نائب رئيس بنك مصر وكان من القرارات التي اتخذها حينها مساندة مجموعة توشيبا العربي حتي لاتنهار وقد نجح في ذلك رغم انه يرفض التماهي مع رغبات رجال اعمال اخرين مقربين من النظام .. الفيصل كان دائما مصلحة الاقتصاد المصري والجدوي المصرفية والقواعد .
لم يكترث طارق عامر بالمناصب فقد علمته محنة العائلة ذلك فأصبح اكثر تحديا للظروف وجرأة في اتخاذ القرار ولم يكن اسيرا للمنصب ولعل ذلك ساعده والعقدة علي مواجهة احمد بهجت حين توسط له مسئولين كبار لكن العقدة وطارق عامر رفضا الانصياع لرغبات النظام ورفضا التنازل عن حقوق البنوك المملوكة للدولة حتي استجاب مبارك لرأيهما وتم تحريك الامور ضد بهجت حتي الحصول علي الحقوق ونجحا الاثنين في تقديم افضل برنامج اصلاح مصرفي في العالم بشهادة الجميع الامر الذي انقذ مصر من الافلاس ثلاث مرات بل ان تلك الاصلاحات هي التي نعيش عليها حتي الان بعد استنزاف الاحتياطي النقدي منذ الثورة .
انتقل عامر الي البنك الاهلي اكبر مؤسسة اقتصادية في مصر يمثل ثلث الموازنة بمايمثله من رصيد لكنه وجد ان البنك الاهلي تحت حصار البيروقراطية شأنه في ذلك شأن كل المؤسسات المملوكة في الدولة ولكن الغريب ان عامر نجح في احداث زلزال داخل البنك ودفع بقيادات شابة واستقطب الكفاءات من مختلف الاتجاهات حتي نجح في زيادة الارباح من 400 مليون جنيه الي اكثر من ملياري جنيه في اقل من ثلاث سنوات .. ليس هذا فحسب بل انه اعطي الامل في القدرة علي نجاح الكيانات الاقتصادية المملوكة للدولة وقدم نموذج البنك الاهلي كتجربة ملهمة لابد ان يتم استنساخها ..وللعلم فقد ورث طارق عامر حب العمل في القطاع العام عن والده الذي كان يلقب بأبو القطاع العام فترة الستينات .
حين انطلقت ثورة يناير لم ينتظر عامر ان يري رد فعل النظام ولم يخشي ضياع منصبه كرئيس للبنك الاهلي ونزل الي الشارع فورا وتلك المعلومة اخبرني بها الدكتور فاروق العقدة فقد كان عامر سعيدا بالثورة كما كان المشير عبدالحكيم عامر سعيدا بثورة يوليو .. وحين كان يعود من المظاهرات كان يتابع عمله حيث ينقلون الاموال بالطائرات حتي تفتح البنوك ابوابها للتخفيف عن المواطنين وحتي لايتم اجهاض الثورة الوليدة .. كان هذا هو منهج عامر بعد الثورة التي اراد لها النجاح فكان يذهب الي المصانع في المحلة وكفر الدوار وسوهاج ومختلف المناطق الصناعية وكان يبادر بتمويل المصانع المتوقفة بفعل الاضطرابات السياسية حتي لاتتوقف عجلة الاقتصاد او يضار العمال وكان اصحاب المصانع والشركات والكيانات السياحية والبترولية حتي الصحف ووسائل الاعلام كان الجميع يذهب اليه لعدم قدرتهم علي الوفاء بأجور الموظفين ولم يغلق عامر الباب في وجه احد وانما كان جسورا واتخذ قرارات عديدة لانقاذ الاقتصاد وتمويل المشروعات .
حين كان المجلس العسكري يدير شئون البلاد تقدم طارق عامر باستقالته اكثر من مرة وكانت مفاجأة لكل رؤساء البنوك فهذا الامر جديدا عليهم ولكن استقالته تم رفضها اكثر من مرة وهنا اصبحت مواقف طارق عامر اكثر غموضا بالنسبة للكثيرين فقد سقط نظام مبارك وجاء نظام جديد ومع ذلك لايزال طارق عامر قويا بل انه يتقدم باستقالته ويرفضها النظام الجديد .. هؤلاء تناسوا ان الرجل لايستمد قوته الا من الله ومن خلال الكفاءة في العمل .
بعد تسليم المجلس العسكري السلطة الي الرئيس الجديد محمد مرسي تم عرض منصب نائب رئيس الوزراء علي طارق عامر ولكنه رفض ايضا ليس لأنه يرفض افكار واجندة الاخوان وانما لانه ادرك منذ البداية ان الشروط اللازم توافرها لكي ينجح ليست موجودة من الاساس رغم ان الجميع يعلم انه لو تم تكليف طارق عامر بتشكيل الحكومة بشكل كامل وصلاحيات كاملة سوف يستطيع تحقيق نتائج اقتصادية مذهلة مثل التي حققها في البنك الاهلي غير ان اهل السياسة علي مايبدو ليست لديهم الرغبة في اصلاح الوضع في مصر .. مع ذلك استمر طارق عامر في العمل مع الرئيس الجديد في نفس موقعه بالبنك الاهلي بل انه سافر مع مرسي الي الصين وايطاليا لكنه كان واضحا منذ البداية وقال سوف ارحل نهاية العام عن البنك الاهلي وهو ماحدث بالفعل حيث تقدم باستقالته هذه المرة وتم قبولها بعد الحاح منه ولم يدرك النظام الجديد او يستوعب انه بذلك قد خسر رأس حربة القطاع المصرفي بالكامل كما لم يدرك هذا النظام الذي يرغب في قيادات لاتتقن سوي السمع والطاعة ان طارق عامر سوف يتم استقطابه من كبري مؤسسات المال في العالم او الاقليم وان الخاسر هو الاقتصاد المصري .
ختاما لا أميل الي كتابة مقالات عن شخصيات لكني كتبت قبل ذلك عن الدكتور فاروق العقدة وحاولت استخلاص مجموعة من الافكار والرؤي قد تعين في تقييم الامور والمواقف .. اليوم اكتب عن طارق عامر ولا اخفي او انكر قناعتي به كقيادة اقتصادية لديها مناعة ضد شهوة السلطة ويحظي باحترام القيادات المصرفية في العالم ولعل الظروف التي مرت بها عائلة عامر كان لها الفضل في ذلك فقد ادرك طارق عامر منذ البداية ان السلطة زائلة فقد رأي بعينيه ان المشير عبدالحكيم عامر الذي كان يلقب بالجنرال الذهبي في روسيا اصبح موصوما بوصمة الانتحار والنكسة واصبح لزاما علي اسرته ان تدافع عن شرفه العسكري في ظل اعلام موجه وحصار أمني وسياسي .. كانت اسرة طارق عامر تعتقد انها انتهت الي غير رجعة ولكن بدأت الانفراجة بعد رحيل عبدالناصر وظل طارق عامر يعمل دون مساعدة من احد او واسطة حتي انهي دراسته في الجامعة وكان يعمل حينها في ارض والده حتي يستطيع الانفاق علي نفسه حتي تخرج  وعمل باكبر البنوك الامريكية قبل ان تتوالي سلسلة نجاحاته وليعيد الي عائلة المشير عبدالحكيم عامر جزء من اعتبارها .. طارق عامر لايخجل من تذكر محنة العائلة بل دائما كنت الاحظ انه فخور بتلك المحنة وتلك الضائقة ولاينكر ايضا انه كان متأثرا بالمشير عامر .. اخيرا هذا هو طارق عامر لم يكن طالب سلطة شأنه في ذلك شأن المشير عبدالحكيم عامر الذي كان يحب عبدالناصر حتي كان يقدمه علي نفسه  .. هذا هو طارق عامر الذي اعطي كثيرا للقطاع العام واعطي النموذج لنجاح المؤسسات الحكومية ولكن لاينبغي له ان ينسحب تحت اي ظرف من الظروف فلم تعد مصر والاقتصاد المصري يحتملان الخسارة تلو الخسارة فقد قبلنا رحيل الدكتور فاروق العقدة محافظ البنك المركزي لأن الرجل قال انه لم تعد لديه الرغبة في العمل .. العقدة الذي ظل مرشحا لرئاسة الوزراء في عهد مبارك ومرشحا ايضا في عهد المجلس العسكري وعرض عليه الرئيس مرسي تشكيل الحكومة ثلاث مرات ورفضها جميعا بعد ان وصلت الامور الي هذا الحد من التشكيك والتخوين بين التيارات السياسية المختلفة .. لكننا لانريد ان نكرر نفس الخطأ مع طارق عامر ولانريد من طارق عامر ان ينسحب فهناك عروض من بنوك اجنبية تلقاها الرجل داخل وخارج مصر وعليه ان يثبت مجددا قدرته علي النجاح حتي في اصعب الظروف وحتي لانفتقد قيادة اقتصادية واعية ووطنية تحتاجها مصر ويحتاجها الاقتصاد المصري الذي يعاني كثيرا وندعو الله الا يدخل النفق المظلم خلال الاسابيع القادمة .
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى